كيف لهذه الأمة الكبيرة أن تهزم من مجموعة عصابات صهيونية ؟ .. كان ذلك هو السؤال الذي أرق جورج نقولا رزق حبش وحوله من مجرد طبيب مغمور إلى واحد من رموز الكفاح الوطني الفلسطيني .. ورغم أوجاع المنافي وعنف المطاردات ومحاولات الاغتيال وعواصف المرض لم تتبدل قناعات الرجل ومات على إيمانه بأن الواقع «الراهن ليس دائما ، وما يجري ليس نهاية المطاف».

أثناء مناقشة اتفاق أوسلو في اجتماع لمنظمة التحرير احتد النقاش بينه وبين الراحل ياسر عرفات ، قال عرفات «إن هذا الاتفاق هو الممكن» فرد عليه جورج حبش «إن الثورة الفلسطينية قامت لتحقق المستحيل وليس الممكن» ، كانت تلك لحظة فاصلة في حياة قائدين كبيرين أحدهما ركب بغلة الممكن ثم ترجل عنها حين وجدها تجترئ على المحرمات الفلسطينية .

والثاني امتطى مهرة المستحيل ثم تنحى جانبا ليتفرج على وقائع سقوط ثورة كانت تحلم بانتزاع الوطن عبر ثلاثية الكفاح والتحرير والعودة فإذا بالجيل الثاني (المفترض من الثوار) يستبدلها بثلاثية النقود والوقود والدقيق، (على حد وصف عبد الله الحسن في مقال بعنوان فلسطين تحت وطأة «ظاهرة فياض»- الجزيرة نت) ..

هكذا يتحول الفلسطيني - في نظر السلطة - من إنسان ثوري حالم إلى كائن بيولوجي يقايض على حق العودة وعلى الدولة ذات السيادة وعلى كل الشعارات الكبيرة ببضعة آلاف من الدولارات .. وفي زمن كهذا لم يكن من الممكن أن يجد رجال من طراز جورج حبش هواء نقيا يتنفسونه ويعيشون به.

عاش حبش المخاض الطويل للأمة العربية والذي بدأ برفضها قرار التقسيم عام 1947 وانتهي بقبولها رؤية بوش عام 2007 ومثلما أعلنت العصيان على الظلم الدولي في الأربعينيات وانتعشت آمالها مع ثورات الخمسينيات ، وانكسرت أحلامها بعدوان 5 يونيو في الستينيات .

واتجهت بعد نصر قصير إلى التسويات في السبعينيات وتصفية الثورة في الثمانينيات وترويج الأوهام في التسعينيات والقبول بمستنقع الواقع في بداية الألفية ، تقلبت حياة الرجل بين «كتائب الفداء العربي» و«حركة القوميين العرب» و «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» ثم الاعتزال الطوعي للعمل السياسي وترك الراية لآخرين عام 2000 ، إذ أن الحالمين العظماء لا يستطيعون التساوق مع «الليبرالية الجديدة» التي تناسب السماسرة وتهزأ بالثورة والثوار وكأنهم كائنات ديناصورية مضى زمنها وينبغي أن تدخل المتاحف ، لكن فلسطين التي حلم بها حبش تعدت طور المراهقة ، فلم تعد تغويها مؤتمرات المانحين ولا تقنعها الأسماء إن كانت فارغة من المضمون ولا يضربها «سوس» الحصار والتجزئة والتجويع.

فغزة التي خرجت عن بكرة أبيها تتخطى الحدود إلى المدن المصرية باحثة عن الطعام والوقود والحاجيات الضرورية لن تصيبها التخمة عندما تشبع ، كما لن تتوقف عن تقديم قوافل الشهداء رغم أن الوضع الذي وجد الفلسطينيون غاية في الحرج ، فمع أول صاروخ ينطلق منها تجاه «العدو» ستوجه أصابع الاتهام ضد مصر.

وستضغط أميركا وأوروبا على القاهرة لإعادة إحكام الحصار على القطاع تحت ذريعة أنها تساهلت في ضبط الحدود ومكنت المقاومين من التزود مجددا بالسلاح ، وسيجد الفلسطينيون في غزة أنفسهم بين خيارين إما الجوع أو المقاومة .

نفس الرهان القديم الذي فرق سياسيا بين حبش وعرفات .. الممكن والمستحيل من يتغلب على الآخر ويهزمه بالنقاط ، ومصر المنفذ الوحيد الذي يتيح استمرار الحياة في غزة دخلت فخ الممكن منذ زمن ، تتمرد أحيانا حين تصبح هناك مآس إنسانية .

لكن تمردها على المسار الذي اختارته لها قيادتها لن يصل إلى حد المفاضلة بين المقاومة والتسويات البائسة ، ففخ الممكن فيه معونات اقتصادية وحسابات سياسية توجب على مصر البقاء في معسكر «الاعتدال العربي» وانتقالها إلى مهرة الحلم يلزمه مساندة عربية ووقفة واحدة وجادة تحسن من شروط التسوية وتتحمل دفع ثمن التمسك بالحد الأدنى من الحقوق.

ليس الحداد على جورج حبش ولا تدبيج المقالات في نضاله الثوري وحكمته وبعد نظره هو الهدية المناسبة لروحه بل اجتماع عربي على أعلى مستوى يؤكد للعالم أن الأمة الممتدة من المحيط إلى الخليج لن تسمح مرة أخرى بتجويع غزة ولا بوضعها بين مطرقة الجوع وسندان التركيع .

ألا يكفي العالم العربي كله أنه جرى سحله في شوارع التاريخ فلماذا لا ينتفض مرة ويقول لمن يهمه الأمر عالميا أنه قبل اغتصاب الأوطان وتقديم قوافل الشهداء وأدمن التفاوض الذي لا يقود إلا إلى تفاوض جديد ، لكنه لن يقبل أن تتحول غزة إلى هولوكوست وقوده مليون ونصف المليون فلسطيني ..

ولماذا لا نتعلم من سيرة جورج حبش ذلك الذي كان واحدا من أخطر المطلوبين إسرائيليا وأميركيا وأوروبيا ، وجد جميعهم في اغتياله أو اعتقاله لسنوات مديدة ، ومع ذلك مات الرجل على فراشه .

رحم الله جورج حبش والهم أسرته ورفاق نضاله الطويل صبرا وسلوانا وعوضنا عنه بقائد جديد يولد من رحم فلسطين ويموت من أجلها ... وحدها.

magdishendi@hotmail.com