انتهيتُ حاليًا من الإعداد لدراسة تتناول مناهج التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة، بطلب من إحدى الجهات البحثية المهمة في الدولة.
ولإجراء هذه الدراسة التي تصبّ مباشرة في نقد مناهج تعليم اللغة العربية في مدارسنا احتجت إلى إعداد استبانات سريعة ومبسطة، وتوزيعها على «بعض» معلمات المرحلة التي اخترتها لتكون عينة دراستي، وهي المرحلة الأساسية الأولى.
وقد تعمدت أن تكون استبانتي مبسطة جدا، تعتمد على وضع دائرة حول خيار من اثنين (نعم) و(لا)، في معظم الأسئلة التي لم يتجاوز عددها عشرة أسئلة، مع وجود سؤالين فقط يتطلبان جهدًا كتابيًا، أحدهما (لماذا؟) وهو تابع لسؤال سابق، والآخر يطلب من المعلم أو المعلمة ذكر أبرز إيجابيات المناهج وسلبياتها من وجهة نظره ـ نظرها.
وقد وضعت جدولا خاصا بذلك، تسهيلا للإجابة، وضمانًا للحصول على أكبر عدد من الاستجابات بين المعلمين والمعلمات، لأنني ألاحظ عزوف كثير من الناس عن المشاركة في تعبئة استبانات بعض الباحثين، بغض النظر عن أهمية الموضوع، لمجرد أن تكون الاستبانة طويلة، أو تتطلب جهدًا كتابيًا كبيراً.
وقد كان اهتمامي بالفعل ـ أثناء وضع الاستبانة ـ منصبًّا على الحصول على إجابات الأسئلة التي ستعينني في إنجاز الورقة البحثية التي أعدها، ولم يخطر على ذهني قط أن ما سأراه في أوراق تلك الاستبانات سيكون مادة بحثية «ممتازة» لدراسة جديدة، قد تستغرق مني سنوات متواصلة من المتابعة، ليس لأن الموضوع صعب، ولكن لأن الموضوع يحتاج بالفعل إلى متابعته إلى الآخر، لمعرفة الآثار التي تترتب على الفكرة الأساسية التي تمثل موضوع الدراسة «الجديدة».
سأتناول في دراستي القادمة المستوى التعليمي للمعلمين، وأهليتهم للبقاء على رؤوس وظائفهم، وسأحصر عينتي البحثية في معلمي مادة اللغة العربية ومعلماتها، وذلك انطلاقًا من واقع الاستبانات التي كشفت الكثير من عيوب «بعض» معلمات هذه المادة في المرحلة الأساسية الأولى في التعليم العام، أي أنهن اللواتي يؤسسن الطلاب والطالبات في لغتهم العربية التي يستدخلون من خلالها بقية موادّهم، ـ أو هذا ما يجب أن يكون على الأقل ـ؛ فإذا كان مصدر بناء هذا الأساس مختلا وغير متوازن، فكيف يمكن أن يكون البناء؟ وكيف يمكن أن يكون المنتَج -بفتح التاء ـ إذا كان المنتِج - بكسرها ـ لا يعرف أساسيات عمله؟
إن «عددًا» من معلمات مادة اللغة العربية في المرحلة الأساسية الأولى لا يكتبن بخط واضح ومفهوم، وهذا يفسر لنا الخطوط الأقرب إلى «الشخبطة» التي نراها في أوراق الطلبة حين يصلون إلى الجامعة، وكأنها استجابة لدعوة إحدى مطربات هذا الجيل، فهي «شخبطة ولخبطة» على الورق بالفعل.
إن لم يكن معلم - أو معلمة ـ اللغة العربية قادرًا على أن يحسّن خطه ويكون قدوة لطلابه في وضوح الخط فكيف سنطالبه بأن يفعل ما هو أكثر من ذلك، ويحتاج لجهد أكبر. إنني أطالب فقط بوضوح الخط، أي أن يكون مفهومًا ومقروءًا، ولا أقول بتجويده تجويدًا تامًا.
«بعض» المعلمات - وأؤكد على كلمة بعض، مع الاحترام لجميع المعلمات القديرات المتمكنات من تخصصهن، ومن يحاولن أن يكنّ كذلك ـ لا يعرفن الكتابة على مستوى الإملاء والتعريف والتنكير والتأنيث والتذكير، وغير ذلك. ولنأخذ هذه العينة العشوائية من الاستبانات الموجودة بين يدي، ويمكن لمن شاء الاطلاع عليها كاملة في أي وقت.
معلمة تكتب عن عدم تركيز المنهج على مهارتي القراءة والكتابة مضيفة: «... على الرغم من أهمية هاتان المهاراتان لطالب المرحلة التأسيسية»، وأخرى تطالب بإلغاء كتاب (مهارات لغتي) لأنه غير مفيد - في رأيها ـ فتقول: و«من الأفضل إلغائه»... وأخرى لا تعرف متى يجب أن تستعمل ال التعريف، أو ما دورها في الكلام، فتكتب: «منهج صف ثاني طويل جدا». وهذه نماذج من دون تعليق:
»أرجو غير المنهاج بما يتناسب مع صلحة الطالب.»..، و«صور مناسبة لدرس».!!، و«التلميذ لديه حرية أكبر في التعبير عن آراءه وأفكاره»، و«لأن بها شرح مفصل عن الدرس».. وغير ذلك.
إن هذه الملاحظات السلبية على مناهج وُضعت بناء على وثيقة محكمة، أعدتها نخبة متخصصة من الأكاديميين والتربويين، وحصلت على نتائج تحكيم إيجابية شرقًا وغربًا، تصدر عن معلمات لا يعرفن القواعد الأساسية العامة في تخصصهن، فكيف يمكنهن التعامل مع منهج مطور يتطلب مهارات عالية في فن التدريس؟ وكيف يمكن أن نثق بمصداقية هذه الملاحظات ونحن نرى بأعيننا أنها تصدر عمن يجدر بهنّ بناء أنفسهن أولا قبل أن يتوجهن للآخرين بالنقد.
وهنا أقول: إذا أعطينا طباخًا سيئًا وصفة طبخ ممتازة ودقيقة المقادير هل نتوقع أن يقدم لنا طبقًا لذيذًا، أو حتى مقبولا؟ وفي هذه الحالة، هل يكون الخلل من الوصفة؟ أو من الطباخ السيئ الذي أفسدها؟
في كل المهن يمثل التفاوت واقعًا مقبولا بين المشتغلين بها، ويمكن أن نجد صائغًا بارعًا جدًا، وبضاعته غالية جدًا، وصائغًا آخر سيئًا جدًا، وبضاعته أرخص بكثير من بضاعة الآخر، ولكن يجد كل منهما زبائنه، لأن الناس أيضاً يتفاوتون في مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ويسد كل صائغ من ذينك الصائغين حاجةً ما عند طبقات مختلفة من الناس.
والأمر نفسه يُقال عن الحائك، أو الخياط، أو النجار، أو غير ذلك. لكن في التربية والتعليم الأمر مختلف، إذ يجب أن يكون الأصل هو المستوى الممتاز، والشواذ عن هذا الأصل هم في مستوى قريب جدا من الممتاز لكن لا يصلون إليه، أما أن يكون جميع من «هب ودب» معلمين، وأن يكون التعليم مطية من لا يستطيع إلى التخرج سبيلا إلا من خلال كلية التربية أو الكليات التي تصدّر المعلمين إلى وزارة التربية فهذا ما لا يمكن أن يقبله أحد.
إن من حق كل طفل من أطفال دولتنا أن يحصل على تعليم ممتاز في جميع المواد، وأن يدخل كل طفل المدرسة وأهله مطمئنون إلى أنه سيجد فيها ما لا يستطيع أن يجده في البيت، أو في مدرسة خاصة أو عند مدرس خصوصي.
لكن الواقع هو أن الطفل يذهب إلى المدارس الحكومية فقط لأن التعليم إجباري في مراحل التعليم العام، وكثير من الأهالي يعرفون أن أبناءهم لا يحصلون على شيء مفيد داخل صفوفهم، لذلك يبحثون لهم عن بدائل متمثلة في معلمين خصوصيين اتخذ كثيرون منهم التعليم تجارة.
أما من يستطيعون أن يدخلوا أبناءهم المدارس الخاصة فإنهم لا يتأخرون عن ذلك، على الرغم من أن كثيرًا من المدارس الخاصة أصبحت تتحرك أيضاً بدافع تجاري بعيد جدا عن أصول التربية والتعليم، فيتخرج عندنا أجيال من الجهلة، ونحن لا نفعل شيئا، سوى الكلام والكتابة، وهما أضعف الإيمان، أما الفعل الحقيقي فلا أعرف متى سيحين دوره.
هل من المعقول أن يبقى وضع التعليم على ما هو عليه؟ وأن تصبح «وظيفة» معلم هي الباب المفتوح دائما، وخصوصا معلم اللغة العربية؟ وهل يمكن أن يبقى هؤلاء المعلمون في مواضعهم يعيثون في عقول أبنائنا فسادًا ونحن لا نحرك ساكنًا؟
هذه الأسئلة أوجهها لمن يرى أنه مسؤول بشكل أو بآخر عن هذا الأمر، وإن لم ير أحد نفسه مسؤولا، أو لم يجد في نفسه القدرة على فعل شيء بخصوصه، فلا يجب علينا أن نبالي بعد ذلك عما سيؤول إليه حال أبنائنا ممن تأسسوا ضعافًا، وسيؤسسون من بعدهم أجيالا ضعيفة أكثر منهم علميًا.
جامعة الامارات