كنت قبل أسبوع في لندن لحضور اجتماع ما، وبعد أن انقضى الاجتماع نزلت مع زميلي إلى محطة المترو لنركب القطار المتوجه إلى وسط المدينة. ونحن في انتظار القطار تفاجأ زميلي بإعلان معلّق على الحائط عن معرض للجيش الصيني المصنوع من الطين، أو بلفظ آخر «جيش الإمبراطور» والذي كان يعرض في المتحف البريطاني، وعلى الفور بدأ زميلي يخبرني عن هذا الاكتشاف الأثري الذي بدأ يجذب أنظار علماء العالم إلى الصين كواحدة من الدول التي تحوي في باطن أرضها إحدى أعظم أسرار التاريخ.
وكلما زميلي تحدث عن جيش الإمبراطور كلّما ازددت إحراجاً، وذلك لأنني لا أعرف كل هذه المعلومات، وفي الحقيقة فإنني قد سمعت عن هذا الموضوع قبل عدة سنوات ولكنني لا أذكر منه شيئاً. لقد كان إحراجي أمام نفسي أكبر من إحراجي أمام زميلي الذي كان يتوسّم في معلوماتي الخير، إلا أنني أظن بأنني قد خيّبت ظنه هذه المرة، فلقد استغرب كيف لشخص مثلي ألا يعرف عن الإمبراطور «شين».
وما إن لفظ اسمه حتى تهللت أساريري وقلت له بصوت مرتفع بأنني أعرفه، وأخبرته ببعض المعلومات عن الإمبراطور الذي تفاخرت بمعرفتي لاسمه الكامل - شين هوا نجدي - والذي كان أول من وضع حجراً في سور الصين العظيم ويعد موحد الدولة ومرسي قواعدها.
بعد أن عدنا من السوق قلت لزميلي بأنني سأذهب إلى المتحف البريطاني لحضور المعرض، حيث إنني لا أعرف إذا كنت سأجد فرصة غير هذه أم لا، فرفع هاتفه النقال واتصل بصديقه الذي كان من المفترض أن يلتقي معه على العشاء ودعاه لحضور المعرض بدل الذهاب إلى المطعم، فوافق صديقه بل وسعد بهذه الدعوة الذي أجزم أنها لو وجّهت إلى شخص عربي في بلد عربي لكال سيلاً من الشتائم على صديقي وعلي أنا أيضاً، فكيف نعده بعشاء في مطعم فاخر ثم ندعوه لحضور «معرض ما» عن حضارة ولّت وانقضت!
عندما وصلنا المعرض قال لنا بائع التذاكر بأنه لا يمكننا الدخول إلا بعد الساعة التاسعة وخمسة وأربعين دقيقة مساءً حيث أن جميع التذاكر قد بيعت ولم يبق إلا تذاكر المساء، وعندما سألته عن عدد التذاكر التي يبيعونها يومياً قال لي بأنهم يبيعون ألف تذكرة وهناك طلب عالٍ جداً عليها ولكنهم لا يستطيعون أن يبيعوا أكثر من هذا العدد فالمكان لا يتسع لأعداد كبيرة من الزوار.
بعد أن اشترينا التذاكر اشترى لي زميلي وليد كتيباً تعريفياً عن جنود الإمبراطور، فانكببت على قراءته منذ اللحظة التي غادرنا فيها المتحف وحتى الساعة التي عدنا فيها إليه لحضور المعرض، وبعد أن دخلنا المتحف البريطاني والتقينا بصديقه الذي لم يره منذ سنوات اكتشفت بأن صديقه كان متحمساً جداً لهذه الدعوة، بل إنه كان قد قرأ عن جيش الإمبراطور وكان متلهفا لمعرفة المزيد عنه ـ مما زاد إحراجي من نفسي - وبعد أن قضينا ساعة ونصف نجوب أروقة المعرض اكتشفت بأن هذا الإمبراطور ـ الذي كان دموياً إلى حد بعيد.
ولكن هذا لم يذكر في المعرض أو في كتيب التعريف - كان رجل دولة بحق. فقد استطاع توحيد إمبراطوريات الصين المتناحرة، ثم وضع قواعد لكتابة لغة موحدة تجمع بينها، ووضع معايير للقياس وللوزن ثم قام بصكّ العملة بمختلف أنواعها وأحجامها، وغير ذلك من أعمال تأسيس الدولة.
إلا أن الإمبراطور «شين» كان يخشى الموت كثيرا، فاستعان برهبان وأطباء ليصنعوا له دواءً يجعله يخلد في الأرض، فاستعان الأطباء بالزئبق لصناعة أدوية مختلفة دون جدوى، حتى يقال بأن الزئبق كان السبب الرئيسي في موته. تولى «شين» الحكم وهو لم يتجاوز ثلاثة عشر ربيعاً.
إلا أنه استطاع أن يوحد جميع دويلات الصين المتناحرة في خلال عشرين عاماً فقط، ولأنه كان امبراطوراً عظيماً - وكان يعرف ذلك حق المعرفة - أراد أن يبقى امبراطوراً بعد الممات أيضاً، فأمر أن يصنع له سبعة آلاف تمثال من الطين لجنود جيشه وعمال دولته ويدفنوا حول قبره، وذلك ليحموه من هجمات الأعداء في الحياة الأخرى كما يعتقد، وليقوموا على خدمته والقيام بشؤون إمبراطوريته تماماً كما كانوا يفعلون في الحياة الدنيا.
عندما وقفنا نتأمل التماثيل وجدنا فيها تفاصيل رائعة، فدقة الصناعة تفوّقت بكثير على التماثيل الرخامية التي تتميز بها التماثيل الأوروبية، فالطين أو الفخار لا يحتمل أي خطأ، وأي ضربة خاطئة ولو كانت بسيطة فإنها كفيلة بالقضاء على تمثال كامل، أضف إلى ذلك أنه لا يوجد تمثال يشبه الآخر، فلكل منها وجه مختلف واسم مختلف، وكأنه جيش حقيقي لحراسة الإمبراطور.
وأعجب ما في الأمر أن جميع هذه التماثيل وضعت (واقفة) تحت الأرض ثم دفنت، وكان ذلك قبل الميلاد بمئتي عام حتى اكتشافها عام 1974 على يد مزارع صيني بسيط كان يحاول حفر بئر ماء لري مزرعته، وكان الهدف من دفنهم واقفين أن يتمكن الجنود من حراسة الملك الذي يرقد في قبره على مقربة منهم. أما قبر الملك فهو قصة ستروى للأجيال القادمة ولكن بعد أن يتم التنقيب عنه.
فعلماء الآثار الصينيون مازالوا متخوفين من دخول الهرم الطيني الذي يحوي القبر لكي لا يفسدوه، فهم يظنون بأن هناك نهرا من الزئبق يمشي تحته ويعتقدون بأن سقف الهرم قد رصع بالألماس وبمعادن ثمينة أخرى ليبدو وكأنه سماء صافية رصعت بنجوم تتلألأ كنجوم السماء الحقيقية.
في المعرض شاهدت أناساً من جميع الأعمار ومن مختلف الجنسيات، وشاهدت أطفالاً أتوا ليتعرفوا على آثار شعب يبعد عنهم مسافة لا تستطيع عقولهم الصغيرة حسابها. وفي المعرض كان زميلي وصديقه يقضيان وقتاً ممتعا، وكان زميله يشكره لأنه دعاه إلى هذا الحدث الجميل.
وقبل أن نخرج شاهدت طفلة تستمع إلى شرح من أمّها عن أحد التماثيل الذي كانت تبين لها دقة صناعته ومهارة من قاموا بهذا العمل الجبار ولكن بطريقة طفولية بسيطة.
وفي كل مرة كانت الطفلة تسمع فيها معلومة ترد على أمّها:«وااو» في تعبير طفولي بريء عن إعجابها ليس بالتمثال فقط ولكن بأمها وأبيها اللذين أتيا بها في هذه الساعة المتأخرة من الليل ليعلماها شيئاً مفيداً وهو أن الثقافة تحتاج إلى إمبراطور ليؤسسها وتحتاج أيضاً إلى حراس ليحموها من الاضمحلال، تماماً مثلما تمكن حرّاس الإمبراطور من حماية مجد سيدهم من الضياع.
باحث إماراتي