انعقد مؤتمر (هرتزليا) في الأسبوع الماضي وصار تقليدا أن ينعقد سنوياً في إسرائيل منذ العام (2000) بعيد الانتفاضة الثانية حتى الآن، وهو من أكبر التجمعات اليهودية التي تتصدى لميزان الأمن القومي الإسرائيلي ولصناعة القرار من خلال الأطر الاستراتيجية التي تجري فيها المناقشات والمقترحات التي يقدمها المؤتمر للحكومة الإسرائيلية والمنظمات اليهودية داخل إسرائيل وخارجها.
ويشارك في المؤتمر عادة مفكرون ودارسون وسياسيون ورجال أعمال وعسكريون كبار وأكاديميون وصحافيون وكل من له علاقة بالقضايا الاستراتيجية إضافة إلى رؤساء الحكومات والوزراء وكبار المسؤولين، بهدف الوصول إلى استراتيجية متكاملة وشاملة (للأمن القومي الإسرائيلي).
و(مناقشة قضايا إسرائيل الداخلية وعلاقاتها الإقليمية والدولية وبخاصة مع الاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية وصولاً إلى وضع السياسات العسكرية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية) ومنذ انعقاده الأول ينعقد سنوياً ليناقش المستجدات وطرق مواجهتها ويطلع على ما تم تنفيذه من مقترحاته السابقة والأسباب التي أعاقت التنفيذ، فهو والحالة هذه يشبه مجلس الحكماء.
شغلت مسألة التوازن الديموغرافي بين الفلسطينيين والإسرائيليين مؤتمرات هرتزليا المتتالية وتقع عادة على رأس أولوياتها ثم يتلوها القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات العلاقة بالأمن القومي الإسرائيلي وبمستقبل إسرائيل وتطورها.
بحيث أصبح مؤتمر هرتزليا ومقترحاته دليل عمل للحكومات الإسرائيلية مهما كان تركيبها أو كانت توجهاتها وللمؤسسات الإسرائيلية الكبرى ذات الشأن بقضايا الأمن القومي والبنى الأساسية لدولة إسرائيلية، وكانت الأولوية الأولى في المؤتمرات جميعها معالجة المشكلة الديموغرافية وإمكانية التغلب مسبقاً على التعادل الديموغرافي الفلسطيني الإسرائيلي المحتمل خلال عامين.
قدمت تقارير إلى مؤتمرات هرتزليا (خاصة مؤتمر عام 2004) أكدت أن التعادل الديموغرافي سيتحقق عام (2020) بأقصى الحدود وبالتالي ستقع إسرائيل عندها في ورطة حقيقية لا يمكن حلها لا عسكرياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً ولا بأية وسيلة أخرى وستكون كارثة على إسرائيل التي يسعى حكامها وقادتها أن تكون دولة يهودية خالصة نقية.
كما قدمت تقارير أخرى حول القضايا العسكرية قضايا السياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها، وصارت مؤتمرات هرتزليا ومقترحاتها تشكل خريطة الطريق الهادية للحكومات الإسرائيلية والسلطات الصهيونية وعماد استراتيجيتها.
أوصت مؤتمرات هرتزليا في مجال (التوازن الديموغرافي) أو ما سمته (التغلب على الشيطان الديموغرافي) بتنشيط العمل على جلب المزيد من المهاجرين اليهود من مختلف بقاع الأرض وتشجيعهم على الهجرة أينما كانوا ومهما كانت ظروفهم وحض الحكومات الإسرائيلية على تأمين شروط استيعابهم وأخذ قضية التوازن الديموغرافي بعين الاعتبار في أية مفاوضات (أو اتفاقات) محتملة مع الفلسطينيين، ولتحقيق هذا الهدف دعت الساسة الإسرائيليين والحكومات الإسرائيلية لسحب حقوق المواطنة من العرب.
حيثما أمكن ذلك وتشجيعهم على مغادرة إسرائيل والتضييق عليهم وإعداد مشاريع عملية من شأنها مقايضة الأراضي وتعديل الحدود بحيث تعطى أراضٍ إسرائيلية مع سكانها إلى البلاد العربية المجاورة (سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية) مقابل أراض بدون سكان، مما يخلص إسرائيل من معظم سكانها العرب ويعطيها الأرض خالية من السكان بدلاً عن ذلك، واعتبروا هذا الإجراء خطوة هامة في سبيل الوصول إلى الدولة اليهودية النقية.
وفي ضوء هذه التوصية وتطبيقاتها قام أكاديميون وسياسيون إسرائيليون بدراسة مقترح من شأنه تعديل (الحدود) مع الدول العربية المجاورة يتضمن إعطاء أرض من لبنان إلى سوريا بدلاً عن بعض أرض الجولان على أن تعطي إسرائيل إلى لبنان أرضاً مع سكانها.
والأمر نفسه مع الأردن والسلطة الفلسطينية بما يحقق ترحيلاً (لعرب إسرائيل) مع أرضهم مقابل الاستيلاء على أرض خالية فضلاً عن ضم الكتل الاستيطانية، وقدم هذا الاقتراح إلى المؤتمر الذي انعقد في الأسبوع الماضي ولم تنشر مقترحات المؤتمر المتعلقة بهذا إذ نادراً ما تنشر هذه المقترحات.
استجاب السياسيون الإسرائيليون من اليمين واليسار لمقترحات مؤتمرات هرتزليا المتعلقة بالتوازن الديموغرافي على مدى السنين السبع الماضية فرأى بنيامين نتنياهو زعيم المعارضة ضرورة (زيادة مد الجدار عميقاً في الضفة الغربية لضم المزيد من الأراضي التي من المفترض أن تحدد شكل الدولة الفلسطينية) على اعتبار أن جدار الفصل العنصري هو جزء من الحدود النهائية أما إيهود أولمرت.
فقال (إن حقنا هو في كل أرض إسرائيل ولن ننساه لحظة واحدة) ولكننا من أجل ضمان الوجود لوطن قومي يهودي لن نكون قادرين على حكم مناطق تعيش فيها أغلبية من السكان الفلسطينيين، يجب أن نخلق حدوداً تعكس الواقع الديموغرافي على الأرض، وستحافظ إسرائيل على سيطرتها على المناطق الأمنية وكتل المستوطنات اليهودية.
وتلك الأماكن ذات الأهمية الوطنية العليا للشعب اليهودي) وصاغت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية (ورئيسة الوزراء المحتملة) رأيها بما ينسجم مع مقررات مؤتمر هرتزليا، فأكدت أن الدولة الفلسطينية لن تقوم إلا على ما يتبقى من الأراضي وراء الجدار بعد ضم الكتل الاستيطانية والقدس مقابل تصفية قضية اللاجئين.
إن المشاركين في مؤتمر هرتزليا ينطلقون دائماً (وخاصة بعد الضعف والهوان العربي) من مقولة جابوتنسكي قبل قيام إسرائيل ونظريته التي كانت أثيرة على قلب مناحيم بيغن كما هي أثيرة على قلب اليمين الإسرائيلي الآن والتي تؤكد على أهمية الأغلبية اليهودية في الدولة.
حيث قال «إن تعبير أمة يهودية واضح وضوحاً مطلقاً، إنه يعني أغلبية يهودية، لقد بدأت الصهيونية من هذا وهو أساس وجودها وستواصل العمل على إنجازه وإلا سيكون مصيرها (أي الصهيونية) الضياع» وهاهم القادة الإسرائيليون والصهاينة أمناء على تنفيذ رأيه، علماً بأن اليسار الإسرائيلي كان يتبرأ منه ويعتبره متطرفاً وعنصرياً، ونراه الآن يتسابق مع اليمين على إحياء تراث جابوتنسكي بعد الظروف التي خلقها النظام العالمي الجديد بالقيادة الأميركية والنكوص العربي.
إن خريطة الطريق تعني بنظر المؤتمرين في هرتزليا إيقاف أية مقاومة عربية جدية، والعمل على إقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة قبل بدء المفاوضات ثم بعد ذلك يتم التفاوض لإقامة الدولة الفلسطينية على ما يتبقى بعد تبادل الأرض وترسيخ الجدار وترحيل الفلسطينيين.
كاتب سوري