سمعنا كثيراً عن تهديدات البرنامج النووي الإيراني والكوري الشمالي وعن ترسانة إسرائيل النووية وعن السلاح النووي الهندي والباكستاني، لكننا دائما نتعامل مع الأمر بهدوء ولامبالاة لأننا نعلم أن الأمر مهما كان لن يصل لمستوى التهديد النووي الفعلي.
ولا تملك أية دولة من هذه الدول القدرة على تخويف المجتمع الدولي ولا حتى الإقليمي بالتهديد النووي، وحتى دول نووية كبرى مثل الصين وبريطانيا وفرنسا لم نسمع منها في تاريخها لغة التهديد النووي، ولكن عندما يأتي التهديد من إحدى القوتين النوويتين العظميين روسيا أو أميركا فإن الأمر لا يمر بهدوء ويتعامل معه الجميع بجدية عالية، وخاصة موسكو وواشنطن نفسهما اللتين تعلمان جيدا أن التهديدات في هذا المجال ليست مجرد تصريحات استعراضية، بل تعني الكثير، إن لم يكن على المدى القريب فعلى المدى البعيد.
وذلك لا يرجع فقط لأن هاتين الدولتين تملكان كما هائلا من الرؤوس النووية يعادل عشرات أضعاف ما لدى باقي الدول مجتمعة، ولكن لأنهما أيضا الوحيدتان في العالم دون غيرهما اللتان تملكان السلاح التكتيكي الإستراتيجي النووي الذي من دونه لا تكون هناك أية فعالية للرؤوس النووية المكدسة في المخازن، هذا السلاح التكتيكي الاستراتيجي مثل أنظمة الصواريخ البعيدة والمتوسطة والقريبة المدى والغواصات النووية والطائرات الاستراتيجية القادرة على حمل الرؤوس النووية، والتي لا يملكها غيرهما في العالم.
بناء على ما سبق فإن لعبة السلاح النووي كانت ومازالت لعبة الكبار دون غيرهم، ولهذا يتعامل العالم مع تصريحات المسؤولين والقادة العسكريين في موسكو وواشنطن حول سلاحهما النووية بجدية عالية، وآخر هذه التصريحات التي أحدثت ردود فعل قوية في الغرب.
وخاصة في واشنطن تصريح رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية الجنرال يوري باليوفسكي يوم الخميس الماضي الذي قال فيه «إن روسيا مستعدة لاستخدام كافة أنواع قواتها العسكرية من أجل حماية سيادتها ومصالحها وأيضا حلفائها بما في ذلك السلاح النووي «وأكد باليوفسكي على ذلك قائلاً «نرجو ألا يكون لدى أحد أدنى شك في إمكانية استخدامنا للسلاح النووي من أجل حماية سيادتنا ومصالحنا الحيوية ووحدة أراضينا».
هذا الجنرال لا يقبلونه في واشنطن ويشبهونه بستالين ويطلقون عليه اسم «الجنرال الحديدي»، وكان باليوفسكي في زيارة لواشنطن في منتصف ديسمبر الماضي والتقي بقادة أركان القوات المسلحة في البنتاجون، وعاد باليوفسكي لموسكو ليدلي بتصريح يقول فيه «لقد اكتشفت من حواري مع العسكريين الأميركيين أنهم ما زالوا يتعاملون مع روسيا على أنها العدو الوحيد لهم في العالم الذي يجب أن يستعدوا له، وأن كافة استراتيجياتهم العسكرية الواسعة النطاق مصممة لمواجهة القوة العسكرية الروسية».
ما قاله الجنرال باليوفسكي يؤكده تصريحات قادة البنتاجون أنفسهم، وفي تصريح أدلى به وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس في الأيام الأولى عند توليه منصبه في البنتاجون في العام الماضي قال «إن القوة العسكرية الروسية كانت ومازالت تشكل تهديداً فعلياً للغرب وهو الأمر الذي يجب أن نستعد له دائماً»، وهو التصريح الذي رد عليه الرئيس بوتين بحدة في مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي في فبراير الماضي ووجه كلماته لروبرت جيتس الذي كان يجلس أمامه مباشرة في المؤتمر.
حيث قال بوتين «نحن نعلم جيداً أن عقيدتكم العسكرية لم ولن تتخلى عن نهج الحرب الباردة الماضية وهذه مشكلتكم الكبرى معنا وعليكم تحمل مسؤوليتها».
التهديد النووي بين موسكو وواشنطن كان ومازال وسيظل، ولن تفلح معه أية معاهدات ثنائية أو دولية، ولكن الخوف أن يتحول التهديد النووي من الردع إلى الفعل، خاصة وأن صدام المصالح بين الدولتين يتزايد ويتصاعد باستمرار، وواشنطن تشعر بأن موسكو تسحب البساط تدريجياً من تحت أقدامها في أوروبا مستغلة في ذلك سلاح الطاقة الذي تحتاجه أوروبا بشدة، وليس أمام واشنطن سوى تصعيد حدة الخلافات بين الأوروبيين وروسيا وتخويف الأوروبيين من تزايد نفوذ روسيا عليهم.
وتلجأ واشنطن إلى استعراض قوتها العسكرية ودرعها الصاروخي الذي تنوي نشره في أوروبا حتى تؤكد للأوروبيين أنها الوحيدة القادرة على حمايتهم، أما موسكو فإنها مستمرة في تعاملها مع الأوروبيين وفق قواعد السوق الحرة وتقدم لهم كافة الضمانات، لكنها في نفس الوقت لا تكف عن استعراض قوتها العسكرية لتخويف وردع بعض الدول الصغيرة المجاورة لها التي تستخدمهم واشنطن لاستفزازها وإثارتها مثل جورجيا وأوكرانيا وبولندا وتشيكيا وغيرهم.
أما استعراض روسيا لقوتها النووية وتطويرها فالمقصود به أميركا نفسها دون غيرها، وليس مستبعدا أن يأتي اليوم الذي تقع فيه الكارثة التي يخشاها الجميع وتصطدم العمالقة.