لقد أصبح واضحا الاهتمام الكبير لدى روسيا بتنمية صناعاتها العسكرية وتأسيس مجمع للصناعات الحربية قادر على توفير كافة التقنيات العسكرية اللازمة في مختلف القطاعات، وليس هذا بهدف التصدير والسوق العالمي للسلاح فقط، بل هو على الأرجح وقبل ذلك بهدف دعم القوة الدفاعية لروسيا والعمل على استعادتها لمكانتها التي كانت عليها خلال القرن الماضي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.
وقد سمعنا مؤخرا عن الأسلحة الإستراتيجية الجديدة التي جرى إعدادها وتصنيعها لتدخل الخدمة قريبا، ومنها أنظمة الدفاع الصاروخية المضادة للطائرات والصواريخ من طراز (إس ـ 300، وإس ـ 400) والتي لا يوجد لها مثيل في العالم من حيث مدى دقتها في إصابة الأهداف على مسافات بعيدة، وعدم قدرة أية أنظمة دفاعية على اعتراضها.
وجدير بالذكر أن الدولة تولي اهتماما أكبر لتمويل وإمداد الجيش الروسي بأحدث التقنيات العسكرية، وتخصص لذلك ميزانية هائلة تتجاوز 15% من الميزانية العامة للدولة، ويعتبر العاملون في الصناعة الدفاعية هذا الأمر إنجازا لم نشهد مثله خلال العقد الماضي بأكمله.
حيث يجري الآن تخصيص الموارد اللازمة للطلبات المطلوبة للجيش مكن المعدات لتنفيذها في أقرب وقت، مما جعل العمل على تطوير النماذج الجديدة من الأسلحة والآليات القتالية واختبارها وتوريدها إلى وحدات الجيش أشبه بالعمل في ظروف الطوارئ.
بل وحتى كل هذه «التعجيل» لم يسمح باستيعاب كل الاعتمادات المنصوص عليها في برنامج التسليح. وأعلن الجنرال فلاديسلاف بوتيلين نائب وزير التنمية الاقتصادية والتجارة انه اعتبارا من عام 2008 سيتغير الوضع بشكل جذري.
وسترى القرارات الوزارية بصدد الطلبات الدفاعية النور قبل انقضاء العام. وسيتم في الوقت نفسه تحويل الاعتمادات المخصصة من ميزانية الدولة التي تشكل مبلغا لا يستهان به قدره نحو 14 بالمائة من كامل حجم الميزانية.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم السماح لوزارة الدفاع وغيرها من أجهزة القوة بالتعاقد على اقتناء الآليات الجديدة وإجراء أعمال البحث العلمي والتصميم والاختبار وتصليح المعدات الحربية وتحديثها والبناء الأساسي من أجل القوات المسلحة قبل إقرار الطلبات الدفاعية بشهرين أو ثلاثة شهور.
وعلى أي حال فان مثل هذا الموقف يتيح للجنرالات ومديري المؤسسات الإنتاجية أن يقوموا بأعمال مبرمجة ومنظمة خلال ما لا يقل عن ثلاث سنوات مقبلة بدون أي تغييرات في الطلبات لصنع آليات حربية متقدمة جديدة. وقال نائب الوزير إن لجنة الصناعة العسكرية قد صادقت على القائمة الخاصة بمسميات هذه الآليات وأعدادها.
ومن المعروف أنها تتضمن نحو 200 نموذج تحظى 98 نموذجا منها بالأولوية وبينها الأجهزة الفضائية والصواريخ المدنية والعسكرية والأقمار الصناعية الخاصة بنظام الملاحة والإعلام الفضائي «غلوناس» الذي سيخصص له مبلغ يزيد عن اعتمادات العام الماضي بأكثر من مرتين، والصواريخ الإستراتيجية من طراز «توبول ـ أم» التي تطلق من المنصات الثابتة والمتنقلة وصواريخ الغواصات من الجيل الرابع من صنف «بوريه» (مشروع 955).
وتضم القائمة أيضا طلبات لصنع الغواصة المذكورة نفسها ومجمع طيران الجبهة الواعد ومروحية «مي ـ 28 أن» الهجومية القادرة على إصابة الأهداف سواء في الليل أو في النهار ومجمع «اسكندر» الصاروخي العملياتي ـ التكتيكي الخاص بالقوات البرية وحتى شراء 14 دبابة من طراز «تي ـ 90» لم يتلقها الجيش الروسي في السنوات الأخيرة.
وتتضمن طلبات الدولة للصناعة الدفاعية تحديث طائرات الانقضاض من نوعي «سوخوي ـ 24» و«سوخوي ـ 25» التي تحتاج إليها القوات الجوية بشدة.
وأيضا تعزيز الطيران الإستراتيجي البعيد المدى بطائرات من نوع «توـ 160» و«تو ـ 95 أم. أس» وصنع طائرات الاعتراض من نوع «ميغ ـ 31» ووسائل التدمير البالغة الدقة بما فيها المحمولة جوا وأنظمة الاستطلاع والدلالة على الهدف والاتصال.
كل الاعتمادات المخصصة لهذه الأغراض قد تم توزيعها مما يسمح بتنفيذ طلبات الدولة الدفاعية في السنوات القادمة أيضا في موعدها المحدد وعلى أكمل وجه.
وترى الحكومة الروسية ضرورة في أحياء اللجان العسكرية التقنية التي كانت موجودة في زمن الاتحاد السوفييتي. وكانت القرارات الصادرة عن هذه اللجان والتي ساهم في صياغتها كبار الخبراء في الصناعة الدفاعية وقادة الأفرع والجنرالات المرموقون تتمتع بقوة القانون.
وكانت الميزة الرئيسية لتلك اللجان تتمثل في استمرارية عملها والنظرة المتعددة الجوانب إلى تطوير هذا النوع أو ذاك من الأسلحة والآليات القتالية والقدرة على التخطيط السليم لمستقبلها وعلى إنشاء قاعدة علمية وتصميمية ومادية مطلوبة لتنفيذ المهام المحددة.
ويرى الخبراء العسكريون أن الطريق الأمثل إلى إحياء صناعة الدفاع الروسية يمر باستعادة تلك اللجان التي ستعتمد بالطبع على مبادئ العمل الجديدة، وإنشاء نظام ثابت لقيادة الصناعة الدفاعية يستند إلى مبادئ اقتصاد السوق مع عناصر التنظيم المركزي وتوفير المزايا الاقتصادية والضرائبية للفروع والمؤسسات العاملة من أجل تعزيز الدفاع الوطني.
الاهتمام الكبير في روسيا باستعادة أمجاد القوة العسكرية الروسية لا يعني على الإطلاق الاستعداد لخوض حروب جديدة أو السعي لتصعيد حرب باردة جديدة، فالإستراتيجية العسكرية الروسية التي وضعها الرئيس بوتين مع القادة العسكريين والسياسيين لا يوجد فيها أعداء محددون، وروسيا لا تريد أن يكون لها أعداء ولا تسعى لصناعة أعداء كما فعل البعض في الغرب.
ولكن الأوضاع الدولية وخروج روسيا للعالم بسياساتها الانفتاحية الجديدة سوف يوسع من دائرة المصالح الروسية على الساحة الدولية، الأمر الذي يستلزم حماية هذه المصالح في زمن تتضارب فيه مصالح الدول أكثر من أي زمن مضى مع زيادة الصراع على مصادر الطاقة والمنافسة الشديدة في الأسواق العالمية إلى الحد الذي يدفع بعض الخصوم غير الشرفاء إلى اختلاق المشاكل والأزمات للدول الأخرى حتى تنغمس فيها وتبتعد عن المنافسة.
وهذا هو المتوقع مع روسيا من قبل منافسيها الذين يخشون تزايد نفوذها في أسواق الطاقة والسلاح العالمية، الأمر الذي يستلزم امتلاك قوة عسكرية غير عادية لتصبح عامل ردع لكل من تساوره نفسه في اختلاق المشاكل والاضطرابات لروسيا، وخاصة على حدودها في أراضي جيرانها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
كما أن روسيا لن تكون مجرد بائع سلاح يبيع لكل من يدفع، بل ستلتزم كعادتها بالقوانين والمعاهدات الدولية، ولن تبيع أسلحة هجومية تستخدم ضد الشعوب الآمنة أو تغير من موازين القوى في أي مكان في العالم، لكنها أيضا لن تترك الفرصة لأحد لكي يفرض هيمنته وضغوطه بالقوة على أي من أصدقائها وحلفائها في أي مكان في العالم.
جامعة سيبيريا