لن يحسم الصراع حول المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية إلا مع الربع ساعة الأخيرة، فالانتخابات التمهيدية التي جرت حتى الآن أعطت مؤشرات متناقضة ومتباينة تفتح المجال للاحتمالات وليس للتأكيدات . ومع ذلك نستطيع القول إن المرشح الديمقراطي للبيت الأبيض لن يخرج عن احد اثنين تؤكد الاستطلاعات أنهما الأقوى من بين كافة الذين دخلوا السباق.

فضلا عن أنهما اللذان جمعا اكبر مبالغ من التبرعات لحملتيهما الانتخابية الأمر الذي يسهل لهما الاستمرار حتى المربع الأخير من السباق . وهذان المرشحان هما هيلارى كلينتون والسيناتور باراك اوباما. من هنا فان تناول اى منهما أفضل بالنسبة للقضايا العربية لهو أمر واجب وهو أمر يسهل على المواطن العربي التعامل مع هذا الاستحقاق السياسي الاميركى الكبير، خاصة فيما يتعلق بالتعاطف مع اى من المرشحين.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن حالة عدم الوضوح التي تسيطر على الجانب الجمهوري من حيث تساوى أكثر من مرشح في فرص الترشيح تجعل المرء لا يستطيع أن يتناول نفس القضية داخل هذا المعسكر ولكن بعدما تتضح الرؤية في شهر فبراير المقبل يمكن العودة إلى تناول المرشح الجمهوري الأفضل بالنسبة للقضايا العربية.

وهناك ملاحظتان مهمتان قبل الدخول إلى الموضوع محل التناول، الأولى تتعلق بان هناك تحفظات قد تطرح في البداية حول الموضع ذاته وهى تحفظات تنطلق من نقطة جديرة بالاهتمام تتعلق بان الذي يصنع السياسة الخارجية الأميركية مؤسسات راسخة وبالتالي فان تأثير شخصية المرشح عادة ما يكون ثانويا.

فضلا عن ذلك فان هناك عوامل تاريخية ودينية وداخلية تلعب الدور الأكبر الأمر الذي قد يعوق مرشحا ما في حالة نجاحه تنفيذ تعهدات قد يكون قد أطلقها للناخب خلال فترة الحملة الانتخابية. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بان المرشح للانتخابات الرئاسية الأميركية عادة ما يكون برجماتيا ويطلق من التصريحات والتصورات ما يؤمن له قطاعات انتخابية محددة قد يرى أو يرى أركان حملته أنها قطاعات مهمة.

ولكن عندما ينجح في الانتخابات عادة ما يغير تصوراته أو لا ينفذ كل ما طرحه في الحملة الانتخابية وفى الغالب لا يلتزم بكل التعهدات التي أعطاها للناخبين خلال الحملة الانتخابية. ولكن على الرغم من هاتين الملاحظتين نستطيع القول إن لكل مرشح تاريخا سياسيا وجهازا معاونا وقاعدة سياسية يمكن من خلالهم أن نعرف تحيزاته وملامح سياسته المقبلة إذا ما أصبح سيد البيت الأبيض في أعقاب الانتخابات المقرر لها أن تجرى فى خريف العام الحالي.

فعلى سبيل المثال ونحن نتناول السيدة هيلارى كلينتون لا يمكن لنا أن نتجاهل أنها سوف تستعين بعدد من الذين عملوا مع زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون، ولا يمكن لنا أن نغفل عن أن هذا الأخير سوف يكون هو اقرب المستشارين إليها، من هنا نستطيع القول إن سياسة هيلارى سوف تكون أقرب إلى سياسة كلينتون فيما يتعلق بمعظم القضايا الخارجية ومنها بالطبع القضايا التي تهم العرب أو تتقاطع فيها مصالحهم مع الولايات المتحدة الأميركية.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن السيناتور هيلارى تتميز بالبرجماتية الشديدة وهو الأمر الذي وضح من موقفها من حرب العراق ففي الوقت الذي صوتت فيه بإعطاء الرئيس بوش تفويضا بالحرب عادت مع السخط الجماهيري مما يجرى في العراق لتطالب بعودة القوات الأميركية من هناك، وهذا الأمر يعني أنها مرنة في اتخاذ مواقفها.

ومن هنا يمكننا القول إنها يمكن أن تستكمل المسيرة التي بدأها زوجها فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلى اى أن تسعى إلى جمع الطرفين الاسرائيلى والفلسطيني إلى مفاوضات مباشرة مثلما فعل زوجها عندما جمع الطرفين في كامب ديفيد. فضلا عن ذلك فإننا يمكننا أن نتوقع إذا ما وصلت هيلارى إلى البيت الأبيض أن يحدث تحركا ما على المسار السوري الاسرائيلى وكلنا يعلم أن هناك شوطا قد قطع على هذا المسار خلال ولاية كلينتون الثانية، وان وديعة رابين المتعلقة بهذا المسار قدمت عبر هذه الإدارة.

أما فيما يتعلق بالعراق فعلى الرغم من المواقف المتقلبة لهيلارى كلينتون إزاء هذه المسألة، إلا أننا نستطيع القول إنها يمكن أن تعلن جدولا للخروج فمواقف الأركان العاملين معها تؤكد ذلك خاصة وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، وموقف الرأي العام الاميركى الرافض للتواجد هناك سيجبرها على اتخاذ هذا الموقف لكن الجدول نفسه سوف يكون طويل المدى.

وإذا ما انتقلنا إلى باراك اوباما السيناتور عن ولاية الينوى، فسوف نلاحظ أن عددا كبيرا من المساعدين له من الذين خاضوا أو مازالوا يخوضون الحرب والنضال من اجل الحقوق المدنية وهؤلاء يتميزون بالمواقف الليبرالية سواء فيما يتعلق بالقضايا الداخلية أم الخارجية، يضاف إلى ذلك أن اتحادات النقابات العمالية الأميركية من ابرز القواعد السياسية له.

وهذا الأمر مهم للعرب لان هؤلاء المساعدين وهذه القاعدة السياسية لابد وان تكون مؤيدة للعرب أو على الأقل يمكن أن يكونوا محايدين وليسوا في حالة انحياز أعمى لإسرائيل. ولكن هنا لابد من الإشارة إلى نقطتين الأولى أن هناك عربا ومسلمين يرون أن وجود اسم حسين يتوسط الاسم الكامل لاوباما قد يكون عاملا مشجعا، وهذا الأمر ليس صحيحا لان جدوده وإن كانوا مسلمين فهو لم يعد على دين الإسلام.

بل وصل الأمر إلى أن قام أوباما بطمأنة جمهرة من ناخبيه اليهود إلى أنّ معنى اسمه في اللغة السواحلية هو المبارك، وان الصلة الدلالية لهذا الاسم تظلّ قوية مع الاسم العبراني باروخ. يضاف إلى ذلك انه حين اتضح أنّ اوباما على أعتاب خوض معركة ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية، حرص على إلقاء محاضرة أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية ـ الإسرائيلية، المشهورة باسم ايباك AIPAC.

كذلك فان عدداً كبيراً من المستشارين اليهود يعملون مع أوباما، بينهم جيرالد كوفمان، وروبرت شراير، والقاضي أبنر ميكفا، فضلاً عن دافيد أكسلرود مستشاره لشؤون الإعلام، وكل هذه الحقائق تتناقض مع المقدمات التي يمكن لنا أن نستنتجها من ميول اوباما لقضايا الحقوق المدنية ومن ابرز قاعدة انتخابية له وهى اتحادات النقابات. الأمر الذي يعني أن كلينتون التي استطاعت أن تحصل على تبرعات من الأثرياء اليهود قد تكون هي الأفضل بالنسبة للعرب من باراك اوباما المفروض فيه أن يكون اقرب لنا منها.

كاتب مصري