حدد المسؤولون الفرنسيون أوائل يونيو المقبل ومدينة مرسيليا كمحطتي زمان ومكان لإقلاع فكرة الاتحاد المتوسطي، التي راح الرئيس ساركوزي يعرضها للتعاون المعمق بين مشاطئى المتوسط منذ توليه سدة الرئاسة قبل شهور.
ولأن العرض والتحديد جاءا بشكل عاجل، وربما حماسي أيضاً، فإن مواقف أكثر العواصم المقصودة بهما راوحت ولا تزال بين الدهشة والتربص والامتعاض المكتوم والتحفظ والتجاهل. وحتى أولئك الذين لم يشاءوا القطيعة مع الفكرة أو مالوا إلى تأييدها، فإنهم طالبوا بإيضاحها من حيث الأهداف والأطراف والآفاق المتصورة.
إجمالاً أظهرت ردود الأفعال أن مقترح ساركوزي يبدو مستفزا ومثيراً لكثير من التساؤلات لبضعة أسباب .. لعل أبرزها أنه يتجاهل أولاً السوابق والخبرات البعيدة والقريبة منه إلى حد التماثل، وأنه ينطوي ثانياً على حرق للمراحل التعاونية المفترضة تمهيداً إلى الحالة الاتحادية التي ينشدها. وهو ثالثاً يفتقد جزئياً للياقة بحسبه طرح بلا تشاور مسبق، بحيث راحت باريس تستمزج آراء المعنيين به بينما هي منشغلة بالإعداد الفعلي لتمريره وكأن موافقتهم أمر مقضي.
المؤكد أن الرئيس الفرنسى، الموسوم سلوكه بالصخب وسرعة المباغتة، على دراية بالسيرورة المتعسرة لمشروع الشراكة المتوسطية الشهير بمسار برشلونة. ولذا يحق التساؤل عما دفعه إلى طرح فكرة رديفة أو موازية ولعلها بديلة، وما إن كان مجرد تغيير عنوان إطار التعاون المتوسطي من الشراكة إلى الاتحاد، سيتكفل بحل الإشكاليات التي ما إنفك هذا الإطار يعانيها خلال السنوات العشر الماضية؟. هذا مع أن المبادرة الاتحادية العتيدة تتطلع إلى صيغة أكثر تعقيداً ورقياً وأعلى سقفاً من تلك التي استهدفتها شراكة برشلونة.
هذا التساؤل الاستنكاري يهون قياساً بما ينبغي للجيران العرب إثارته في مواجهة مشروع ساركوزي ومن يوالونه.. ومؤدى ذلك أن العرب استقبلوا في غضون السنوات الخمس والثلاثين الماضية أكثر من مبادرة أوروبية تروم التعاون الجماعي أو شبه الجماعي معهم، دون أن يمضي الأوروبيون بأية واحدة منها إلى غايتها النهائية.
لقد تنقل هؤلاء من الحوار العربي الأوروبي إلى الحوار مع الخليجيين والمغاربيين إلى الشراكة المتوسطية ، ومع ذلك لا يملك أحد دلائل مقنعة على أن أنماط الشراكة هذه قد صمدت لغوائل الزمن والمستجدات أو حققت للمشاركين فيها من الدول العربية مراداتها بالنسبة لمختلف الجوانب التي طرقت مع أصحاب القارة العجوز.
إن تقافز الأوروبيين من مشروع إلى آخر يبدو أمراً لافتاً بالفعل، لا سيما إذا ما علمنا أنهم هم الذين عادة ما اضطلعوا بعرضها، وان محتوياتها لا تختلف من حيث الجوهر والموضوع. لكن الاستثنائي في هذا السياق يتعلق بالسيرة الذاتية لصيغة الحوار العربي الأوروبي، التي تميزت عن غيرها بشكل واضح.
فقد كانت هذه الصيغة محددة تماما من حيث الأطراف (الجماعة الأوروبية يوم كانت تسعة أعضاء مقابل الجامعة العربية)، وشاملة من حيث أهداف الشراكة ومجالاتها،وتقوم على قدر من الندية والتكافؤ وفرته نتائج حرب أكتوبر 1973 وحظر النفط العربي ومستوى التضامن داخل النظام العربي اللذين واكباها وتبعاها لبعض الوقت.
أين هذه المعطيات والخصائص من تلك التي تسم مختلف التجارب اللاحقة بحيث تنتقص من قوة الأطراف العربية المعنية على المساومة؟ لا يمكن أن تقف أية مجموعة جهوية عربية على ذات القدر من الصلابة التنافسية أو الندية في مواجهة الأوروبيين، كشأن المجموعة العربية بالكامل ابان عهد الحوار العربي الأوروبي.
ثم إن ذلك العهد خلا من أي دور أو مداخلة أو شراكة لإسرائيل. وكان التحديد الصارم لطرفي الحوار مبررا كافيا وواضحا لهذا الاستبعاد.غير انه من أجل تسكين ثائرة إسرائيل وحجب محاولاتها لتخريب حوارهم مع العرب، عقد الأوروبيون اتفاقات ارتقت بالعلاقة معها إلى ما جعلها قريبة من مرتبة العضوية العاملة في جماعتهم.
وكان الهدف من ذلك هو إحداث ما وصف بالتوازن بين العرب وإسرائيل. والواقع أن جيراننا الأوروبيين تخلوا عن هذا الهدف الدعائي، بمجرد أن استطلعوا تصدع جبهة المحاورين العرب. حدث ذلك بالتدريج حتى وصلنا راهناً إلى حالة لم يعد فيها مكان لمفهوم «العروبة» في أي مساق حواري جماعي أو وطني عربي مع هؤلاء الجيران.
وأصبح مطلب استثناء الطرف الإسرائيلي من المساقات أو المسارات الحوارية الشاملة أمراً مثيراً للسخرية ومرفوضاً تماماً لديهم. ونحسب أن استبدال مفهوم العرب والعروبة بمفهومي الشرق أوسطيين والمتوسطيين لتمييز الطرف الآخر غير الأوروبي، هو أحد أهم الطرق الالتفافية لإدماج إسرائيل في صلب هذه المسارات.
الحق أن متوالية العروض الحوارية أو التعاونية الإقليمية الأوروبية مع العرب، باتت بحاجة ماسة إلى وقفة تأمل وأكثر من نقطة نظام.وقفة يسأل فيها الأوروبيون وفى طليعتهم ساركوزى عما يتصورونه من فوارق وعلامات تميز هذه العروض عن بعضها البعض. والظاهر أن شيئا من ذلك بدا يجرى بالفعل. فقد استفهم وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط عن علاقة الاتحاد المقترح بعملية برشلونة وعما إذا كان اتحاد ساركوزى بديلا من هذه العملية، وعن الجديد الذي سيضيفه هذا الاتحاد؟
اجتهادنا أن المعنيين لن يعثروا على إجابة سهلة عن هذه الأسئلة. فمثلا دار الحوار العربي الأوروبي في صورته الأولى،قبل أن ينزع الأوروبيون من محاوريهم صفة العروبة، حول قضايا التصنيع والبنية الأساسية والزراعة والتنمية الريفية والتعاون المالي والتجارة ومجالات العلوم والتكنولوجيا والثقافة والعمل والمسائل الاجتماعية والأمن.. ترى ما الذي أضافه مسار برشلونة أو ينتظر إضافته من الاتحاد المتوسطي زيادة على أو نقصانا من هذه الهموم؟!.
سيقول البعض بان أبعادا مثل مكافحة الإرهاب ومعالجة الهجرة من جنوب المتوسط إلى شماله لم تكن مثارة ولا ملحة قبل ذلك . لهؤلاء نتساءل، ألا تقع مكافحة الإرهاب ضمن قضايا الأمن بمفهومه الواسع؟ ألا تعد معالجة الهجرة من عيون مبحثي العمل والمسائل الاجتماعية بالمعنى الواسع أيضا؟ ثم ما الذي يقصده ساركوزى بإشارته إلى التعاون والشراكة الحضارية بين المتوسطيين غير التفاعل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والثقافة التي انشغل بها أسلافه وأسلافنا عبر نموذج الحوار العربي الأوروبي؟
علاوة على هذه القياسات، لنا أن نقرأ بإمعان عوامل الإخفاق التي أدت إلى قطيعة ذلك النموذج وتجميده بصمت مريب،لنوقن بأنها العوامل والضغوط ذاتها التي تحلق في أفق النماذج اللاحقة:الكيد والمنافسة الأميركية؛ التجاذبات الأوروبية وانعدام التوافق على سياسة خارجية موحدة وتباين المصالح القومية؛ الصدوع متعددة المصادر بين دول النظام العربي؛ الخلافات حول كيفية التعامل مع المشروع الصهيوني سواء على الضفة العربية أو الأوروبية والجروح القديمة والمتجددة المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وبالمناسبة، يتحدث الأوروبيون عن التعاون أو الشراكة أو الاتحاد مع جيرانهم المتوسطيين، دون أن يراعوا مدى جدوى هذه الأنماط التفاعلية الإقليمية وقدرتها على النشوء والارتقاء مع استمرار الطابع الاستعماري للعضو الإسرائيلي الذي يصرون على إدماجه فيها. لو أنصف الأوروبيون الحقيقة والمنطق وتجربتهم الإقليمية هم أنفسهم، لاعترفوا بان التعاون ـ ناهيك عن الاتحاد ـ لا يمكن أن يقوم وقد احتل طرف أرض طرف آخر واستباح حقوقه.
كاتب وأكاديمي فلسطيني