يندرج بيان أصدرته وزارة الخارجية المصرية الخميس الماضي وينتقد أوضاع حقوق الإنسان في أوروبا تحت خانة الكوميديا السياسية، إذ يصدق عليه القول: «لا يرى الخشبة في عينه ويتضايق من القشة في عيون الناس».
من حق أي دولة في العالم أن تنتقد ما تريد انتقاده، فلا أحد يمكنه مصادرة ذلك، كما أن القارة الأوروبية ليست «يوتوبيا» إذ لا موقع لليوتوبيات في الواقع المعاش، وهناك بالفعل تمييز ضد المسلمين في القارة العجوز، كما تنتشر ظاهرة كراهية الأجانب خاصة في أوساط اليمين المتطرف، لكن البيان المصري أثار الضحك أكثر مما أثار النقمة على الأوروبيين، لسببين:
ـ الأول أن مصر لم تتعود على انتقاد حالات انتهاك حقوق الإنسان في العالم، على نحو ما تفعل الولايات المتحدة في تقريرها السنوي مثلا، ومن ثم فإنه يستغرب إقدامها على ذلك دون مقدمات.
ـ الثاني أن حالة حقوق الإنسان في مصر ليست راقية إلى درجة تعطي القاهرة سلطة أخلاقية تبيح لها انتقاد غيرها، خاصة إذا كان هذا «الغير» شهد ولادة الديمقراطية والشفافية وألغى حكم الفرد على نحو لا رجعة فيه.
كما أن هناك حيوية سياسية وحقوقية تسمح بمراجعة كل الهفوات التي لا تبرأ منها دولة على وجه الكرة الأرضية، ففي نفس اليوم الذي أصدر فيه البرلمان الأوروبي قرارا يدعو الحكومة المصرية إلى إنهاء جميع أشكال التجاوز ضد المعارضة والمدافعين عن حقوق الإنسان ووقف إحالة المعارضين السياسيين إلى محاكم عسكرية، رفض نفس البرلمان تمرير قرار يقضي بحظر الحجاب في مدارس أوروبا الابتدائية.
كما أن هناك جدلا حقيقيا حول القيم العلمانية في القارة، وما إذا كان ينبغي أن تبيح لأصحاب الأديان الأخرى التعبير عن هوياتهم الدينية، أم أن ذلك يمثل خطرا على القيم العلمانية ذاتها. وما يجري من جدل مجتمعي هناك حرمت منه أغلب الدول العربية، إذ أنه من الظلم مقارنة حتى أقل الدول الأوروبية شفافية وصونا لحقوق الإنسان بأرقى دولة عربية في الشأن نفسه.
إذ أن هذه القيم لها صفة الثبات مصانة هناك بحكم الدساتير وبحكم وجود مؤسسات.. أما في عالمنا فإنها إن توافرت تكون متغيرة ومؤقتة ترتبط بظرف سياسي ما، أو تحميها رؤية حاكم بعينه في فترة تاريخية محدودة فإن غاب عن الساحة غابت معه.
لا تفسير إذن للبيان المصري عن حقوق إنسان أوروبا إلا الرغبة في الكيد السياسي، كما أن آثاره لن تعدو ابتسامة سخرية داخلية وإهمالا خارجيا، فليس متوقعا أن يدفع السلطات الأوروبية إلى مراجعة ذاتها، لأن عالم اليوم لا يحتفي كثيرا بمواعظ الثعالب، وهو جزء من الرد المصري بالغ التشنج على الانتقاد الأوروبي لما يجري في القاهرة من انتهاكات.
مصر ألغت اجتماعا كان مقررا أن يعقد مع مسؤولين أوروبيين، كما هدد برلمانها بمقاطعة البرلمان الأوروبي، بمنطق أن قراره يمثل تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية، وهذه عصبية وطنية محمودة في حالات أخرى، لكنها في هذه الحالة على وجه التحديد نوع من المكابرة الممقوتة.
فهناك فعلا ما يستدعي المراجعة في علاقة السلطة الحاكمة في مصر بالمعارضين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، كما أن هناك مشاكل في التعامل الأمني بين هذه السلطة وبين عموم الناس في مصر، إذ أن الشرطة ما زالت تستخدم أساليب تنتمي إلى القرون الوسطي، كما أن مجرد الدخول إلى أحد أقسام الشرطة نوع من المجازفة إذ قد لا يخرج الداخل إليها إلا وقد لحق أذى بكرامته.
هذا شيء.. الشيء الآخر أن حقوق الإنسان أصبحت قضية معولمة، نعم هناك تسييس للانتقادات، وحملات مغرضة ضد بعض الدول وغض للطرف عن ممارسات أكثر بشاعة في دول أخرى، كما هو الحال مع إسرائيل صاحبة النموذج غير المتكرر عالميا في إرهاب الدولة، لكن الرد المقنع لا يأتي عبر التشنج، وإنما يقتضي الحال الاعتراف بأن هناك انتهاكات، وأن السلطة ستحاول تغيير الواقع الذي يقود إلى حدوثها.. هذا إذا كانت هناك رغبة فعلية في تحسين سجل حقوق الإنسان، وليس التركيز على محاولات إخفاء هذه الانتهاكات.
أخيرا تبدو مصر وكأنها تتقبل الانتقادات من طرف وتحاول التبرير والتجمل، فيما تقف على شعر رأسها إذا ردد طرف آخر الانتقادات نفسها، فالمقارنة البسيطة بين رد فعل القاهرة على انتقاد يأتي من واشنطن وآخر من عاصمة أخرى يكفي للتدليل على ذلك، وربما يكون حرص مصر على إرضاء أميركا سياسيا من أجل استمرار المعونة وباعتبار هذا الرضا ركيزة استقرار داخلي هو السبب، لكن الأوروبيين أبناء «البطة السوداء» فلا معونات كبيرة يخشى من قطعها، ولا قرار سياسي موحد يخشى من عواقبه.
أوضاع حقوق الإنسان والحريات بحاجة فعلية إلى مراجعة، ليس استجابة لضغوط خارجية ولا رضوخا لإملاءات، ولكن من أجل المصري نفسه، فالشعب في النهاية هو الجبل الذي يأوي إليه الحاكم من أي طوفان.