شهدنا بعد الحرب العالمية الثانية وطوال نصف القرن الماضي ظاهرتين هامتين على نطاق العالم كله تحققتا نتيجة لأسباب موضوعية وواقعية وحسب توازن القوى العالمي بين الدول من جهة وبين التكتلات الدولية من جهة أخرى.
إضافة إلى نمو حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الذي سموه (ثالثاً)، والظاهرتان هما: ترسيم الحدود بين الدول المستقلة واعتبارها حدوداً دائمة ونهائية والاعتراف بكيانات هذه الدول وسيادتها على أراضيها ضمن الحدود الجديدة، وهذا شمل خاصة دول أوروبا الغربية والوسطى والدول التي تشكل منها الاتحاد السوفييتي السابق، واعتبار حدود البلدان المستعمرة بعد استقلالها حدوداً دائمة ونهائية أيضاً.
وهذا ما حصل في بلدان إفريقيا خاصة حيث رسمت الحدود متغلبة على الواقع الإثني والديني والثقافي للدول الناشئة على أساس أن أية معايير تتجاهل الواقع القائم ستفتح أبواباً لا حصر لها من الخلافات والحروب بين المذاهب الدينية والقبائل والأقليات الإثنية مما لا تحتمله بلدان افريقيا المستقلة حديثاً وما سيكون عائقاً كبيراً أمام نشوء هذه الدول وتطورها وتنميتها.
أما الظاهرة الثانية فهي سعي بلدان العالم المتقاربة جغرافياً ذات الأنظمة السياسية والاقتصادية المتشابهة أو ذات الثقافة والتاريخ المشترك إقامة تكتلات إقليمية فيما بينها متعددة الجوانب وذات أهداف واستراتيجيات مهمة لكل من هذه البلدان، أو أنها قامت بحكم الواقع والضرورة سواء منها الأحلاف العسكرية كحلف شمال الأطلسي وحلف وارسو أم التكتلات ذات الأهداف الاقتصادية والاجتماعية مثل الاتحاد الأوروبي واتحاد الجمهوريات السوفييتية واتحاد دول (آسيان) في جنوب شرق آسيا أم لأسباب قومية كما هي حال جامعة الدول العربية أم لأسباب أخرى مثل اتحاد دول الكومنولث أو الدول الافريقية الناطقة بالفرنسية ومثيلتها الناطقة بالإنجليزية.
ورغم الحرب الباردة وربما بسبب هذه الحرب حافظ العالم على حدود الدول التي تم ترسيمها واعترف بالسيادة عليها واعتبرها حدوداً نهائية بغض النظر عن تباينات سكانها العرقية والدينية والثقافية والطائفية والقبلية وغيرها.
شهد العقد الأخير من القرن الماضي ضعف هذا الاتفاق أو هذا القبول (المطلق) بالأمر الواقع وبدأ التفكك يجتاح هذا الاستقرار الهش، فانفرط عقد اتحاد الجمهوريات السوفييتية، وتوحدت ألمانيا وانفصلت بعض المناطق الافريقية عن الدولة الأم وشكلت دولها المستقلة كما هي حال إرتيريا التي انفصلت عن أثيوبيا أو جمهورية أرض الصومال التي انفصلت عن البلد الأم أو الصحراء الغربية التي مازالت معلقة أو غيرها.
وما أن أطل القرن الحادي والعشرون حتى بدأ انهيار الأمر الواقع المتعلق بحدود الدول وبدأت الحركات الانفصالية تنشط وتعتبر نشاطها مشروعاً، وقامت أحياناً حركات انفصالية بدون سبب واضح أو مقنع يبرر انفصالها.. ففي أوروبا مثلاً انفصلت سلوفاكيا عن تشيكيا وانفرط عقد جمهوريات يوغوسلافيا الست، بل نمت حركات انفصالية داخل بعض هذه الجمهوريات بعد انفصالها عن الاتحاد اليوغسلافي.
كما هي حال الجبل الأسود وما تستعد له كوسوفو الآن، ونشوء إرهاصات ومحاولات في أوكرانيا لانفصال الناطقين بالروسية عن الدولة الأم، والأطرف ما أصر عليه (الفلمنك) البلجيك الناطقون بالهولندية وهو الانفصال عن (الوالون) الناطقين بالفرنسية وتقسيم بلجيكا التي لا يزيد عدد سكانها على عشرة ملايين نسمة إلى قسمين فضلاً عن مطالب الكاتلان والباسك في إسبانيا بوضع خاص ربما يصل يوماً إلى المطالبة بالاستقلال .
والأمر نفسه في صقلية الإيطالية وكورسيكا الفرنسية وغيرهما، هذا فضلاً عن مطالبة هنغار بلغاريا وألمان بولونيا والناطقين بالفرنسية في كندا بالاستقلال الذاتي ولا نعرف ماذا سيطلبون فيما بعد.
وفي آسيا لم يختلف الأمر كثيراً فناغورنو كاراباخ تطالب بالانفصال عن أذربيجان والانضمام إلى أرمينيا، وتيمور الشرقية انفصلت عن اندونيسيا وشكلت دولتها والتاميل يتهيأون لمثل هذا الأمر، وفي بلادنا العربية يعمل تيار واسع لفصل جنوب السودان وتشكيل دولة مستقلة فيه وآخر لفصل الأمازيغ عن بعض دول المغرب العربي والقائمة تطول.
يتساءل المراقب عن أسباب هذا الحراك السياسي والقومي والاجتماعي الذي يشهده عالمنا هذه الأيام، خاصة وأن الدولة الحديثة استكملت معاييرها في العالم كله وأصبحت هذه المعايير ثوابت يعتد بها وخاصة معيار المواطنة باعتبارها مرجعاً وحيداً للعلاقة بين المواطنين بعضهم تجاه البعض الآخر، وبينهم وبين دولتهم، وما ينتج عن هذا المعيار من معايير أخرى هامة مثل المساواة والحرية والعدالة وتكافؤ الفرص على نطاق الأفراد والديمقراطية وتداول السلطة وفصل السلطات على نطاق الأنظمة السياسية.
وبالتالي فإن الدولة حسب هذه المعايير والمفاهيم الناجمة عنها هي دولة المواطن الفرد الحر ودولة جميع أبنائها وتستوعب مواطنيها مهما تعددت إثنياتهم ومذاهبهم وقبائلهم وتياراتهم السياسية والاجتماعية، فلماذا تسعى فئات في الدولة إلى الانفصال واستبدال مرجعيات دينية أو قومية أو ثقافية بمرجعية المواطنة الأشمل والأعم والأكثر فائدة للجميع؟
خاصة أن العولمة التي بدأت تكتسح العالم أخذت توحد ثقافته واقتصاده وقيمه وتقاليده وتتضاءل الخصوصيات مع تقدمها وتطورها فما مبرر الانفصال أو الدعوة للانفصال؟
هل نحن فعلاً بحاجة لمرجعيات جديدة غير مرجعية المواطنة أو معايير جديدة لدولنا تحافظ عليها وعلى شعوبها، أم هل نحتاج لتعريف جديد للهوية نبني حسبه دولنا؟
وهل بلغ صراع الحضارات أشده وستكون من نتائجه الأولى تفتت دول العالم ثم انهيار منظماتها الإقليمية بعد أن تستكمل العولمة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها؟ وهل العولمة هي المسؤولة عن بداية تفتت الدول الذي نشهد إرهاصاته الأولى وستضيف إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد سنوات عشرات الدول الأخرى؟.
تساؤلات ربما ليست قليلة الأهمية ولها علاقات مباشرة بالمستقبل القريب لعالمنا.
ويبدو أن أسباباً كثيرة مسؤولة عن هذا الحال حالياً ومستقبلاً ورثها عالمنا من تاريخه الطويل وتراكمت في عمق ثقافة أفراده ومجتمعاته ومنها خاصة استبداد الأنظمة السياسية الذي من شأنه تعقيد المشاكل واضطهاد الأقليات وخلق بؤر توتر واحتقان.
كاتب سوري