مثلما حل رحل الرئيس الأميركي عن الأراضي الفلسطينية بعد ثلاثة أيام تنقل فيها بين رام الله وإسرائيل وبيت لحم، بدون أن يترك خلفه ما اجتهد وفشل في تحقيقه وهو توليد مناخات متفائلة بإمكانية دفع عملية السلام في الشرق الأوسط نحو تحقيق رؤيته للدولتين خلال العام المتبقي له على رأس الإدارة الأميركية.

ويبدو من خلال الزيارة وما نجم عنها، أن لا الحماسة وحدها ولا الرغبات الذاتية مهما كان مصدرها، كافية لردم هوة سحيقة نشأت خلال عشرات السنوات من الصراع الدامي والمرير، كما يبدو أن حجم ونوع الدعم الدولي ومستوى التدخل الذي يعتمد على حسن نوايا الطرفين، لا يمكن أن يؤدي في ظل المعطيات الملموسة، إلى توفير مساحة اتفاق مشترك تتسع لاستيعاب مصالح الطرفين، وهي مصالح وحقوق متضاربة إلى حد التعقيد.

أكثر من هذا فإن الموقف الأميركي وهو المؤهل للتأثير أكثر على طرفي الصراع خصوصاً إسرائيل، هذا الموقف بحد ذاته يشكل عقبة أساسيه أمام تقدم عملية السلام.

ما صدر عن بوش خلال وجوده في القدس ورام الله، يفيض سوءاً عما تضمنته وثيقة الضمانات التي سبق أن قدمها الرئيس الأميركي لشارون عام 2004. لقد أكد بوش على يهودية إسرائيل مقابل الدولة الفلسطينية للشعب الفلسطيني، وبدون أن يحدد حدودها، تاركاً الأمر لما يمكن أن تسفر عنه المفاوضات بين الطرفين، والتي ستكون محكومة لموقف أميركي من الاستيطان ومن الجدار.

يعلم بوش أن الاستيطان والجدار يصادران أراضي واسعة من المناطق المحتلة عام 1967، لكنه اكتفى بالمطالبة بإزالة البؤر الاستيطانية العشوائية التي يتجاوز عددها مئة وعشرين مستوطنة لا يرى الإسرائيليون مشكلة في إزالتها.

غير أنه يعتبر أن الكتل الاستيطانية الكبيرة قد أصبحت واقعاً لابد من أخذه بعين الاعتبار، وإزاء الاستيطان لم يبد بوش اعتراضاً قوياً حول الإعلانات الإسرائيلية المتكررة التي ترى بأن الاستيطان في القدس لا يمكن أن يتوقف، بدعوى شرعيته. ولم يراع بوش حساسية موضوع اللاجئين، إذ أعلن بوقاحة أن الأمر يمكن معالجته فقط من خلال التعويضات، ولكن ليس على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 194 الذي ينص على حق الفلسطينيين في العودة والتعويض.

أما فيما يتصل بالقدس التي يعتبرها الإسرائيليون عاصمتهم الموحدة والأبدية، ويرى الفلسطينيون أن دولتهم لا يمكن أن تكون بدون عاصمتها القدس، فقد اكتفى بوش بالحديث عن أنها قضية صعبة ومعقدة، فيما أبدى تشدداً إزاء أولوية تحقيق الأمن لإسرائيل، واشترط على السلطة الفلسطينية وقف الصواريخ التي تنطلق من قطاع غزة، وفرض خطتها الأمنية على القطاع الذي تسيطر عليه حركة حماس، حتى يمكن تحقيق اتفاق. فوق كل هذا، أعلن بوش عن فشل الأمم المتحدة وقراراتها التي تتصل بالصراع والحقوق، وبرر لإسرائيل حاجتها لوجود أكثر من خمسمئة وستين حاجزاً في الضفة الغربية، طالما استمرت المفاوضات، وإلى حين التوصل لاتفاق يضمن أمن إسرائيل.

وتأكيداً على تحالف بلاده الاستراتيجي مع إسرائيل وتطابق سياسته مع سياستها، ومصالح بلاده مع مصالحها، أعلن الرئيس بوش أنه سيعود لزيارة المنطقة في مايو المقبل للمشاركة في الاحتفالات التي تقيمها إسرائيل لمناسبة الذكرى الستين على تأسيسها.

إذا كان هذا ما جاء به بوش، وهو يتطابق مع السياسة الإسرائيلية تماماً إزاء كل قضايا ملف مفاوضات التسوية الدائمة، وهي (اللاجئين، والحدود، والقدس، والمستوطنات، والمياه والأمن)، فإن علينا أن نتوقع بأن أي تدخل أميركي من خلال الممثل الذي عينه بوش لمراقبة المفاوضات ويليام فريزر، أو أي شكل آخر من أشكال التدخل سيكون في اتجاه الضغط على الفلسطينيين الذين عليهم أن ينتقلوا إلى المربع الأميركي ـ الإسرائيلي إن هم أرادوا التوصل لاتفاق.

بوش من واقع حرصه على استقرار العملية التفاوضية، صرف جزءاً من وقته مع المعارضة القوية التي يمثلها في حكومة أولمرت كل من افيغدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا، وأيلي بن يشاي زعيم حركة شاس وكذا مع أقطاب المعارضة خارج الحكومة، لضمان استمرار التحالف الحكومي وعدم السماح بانهيار حكومة أولمرت.

يدرك بوش أن عوامل انهيار حكومة أولمرت أقوى من عوامل ثباتها، خصوصاً إذا كان على أولمرت أن يمضي في مفاوضات صعبة تتناول القضايا الجوهرية، قد تتطلب تقديم تنازلات، لكنه أي بوش لا يملك ضمانات السيطرة على المتطرفين، لضمان استقرار الحكومة وبالتالي تواصل عملية التفاوض.

وإذا كانت تصريحات أيهود أولمرت قد اتخذت طابع المجاملة والمداراة لأقطاب المعارضة الرسمية داخل حكومته، ما جعله غير واثق من إمكانية التوصل لاتفاق، فإن المعارضة أظهرت تمسكاً بمواقفها التي تهدد بنسف الحكومة وبالتالي نسف كل المحاولات الأميركية والدولية لتنشيط المفاوضات ودفع العملية السلمية.

فلقد استقال الوزير افيغدور ليبرمان بعد التهديد بالانسحاب من الحكومة، في حال بدء المفاوضات حول قضايا الحل النهائي، فيما هدد بين يشاي بالانسحاب في حال طرحت قضية القدس على طاولة المفاوضات، إذ أن بقاء حكومة أولمرت مرهون الآن بموقف حركة شاس.

على خط آخر يعمل وزير الدفاع أيهود باراك الذي يتطلع إلى موقع رئاسة الحكومة، يعمل باراك على خط آخر، وهو تصعيد العدوان على قطاع غزة والضفة الغربية لاستدراج ردود فعل فلسطينية غير عادية، تبرر لإسرائيل الادعاء بأن الرئيس محمود عباس لا يستطيع أن يكون شريكاً في التسوية، وأنه عاجز عن تلبية الاستحقاقات المطلوبة حسب المرحلة الأولى من خارطة الطريق.

فلقد انفجر الوضع على جبهة قطاع غزة، يوم الثلاثاء الماضي حيث ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة، راح ضحيتها عشرون فلسطينياً، من بينهم نجل القيادي في حركة حماس محمود الزهار، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، فيما يعتبر بداية لعملية عسكرية متدحرجة وواسعة ضد قطاع غزة بدعوى مواجهة ما يسمى بالإرهاب المتنامي، ولوقف إطلاق الصواريخ.

هكذا يجد أيهود أولمرت نفسه أمام معادلة بسيطة ولكنها معقدة وصعبة، إذ عليه أن يختار بين متابعة المفاوضات، أو الاحتفاظ بائتلافه الحكومي. أما إذا أراد الاحتفاظ بخياره وهو الاحتفاظ بحكومته فإن ذلك يعني بالضبط إدارة مفاوضات عبثية فاشلة واستدعاء المزيد من الذرائع والعقبات لتعطيلها.

في المقابل ومن موقع إدراك مدى أهمية هذين العاملين الأميركي والإسرائيلي إزاء احتمالات نجاح أو فشل المفاوضات، عاد المجلسان الثوري لحركة فتح والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ليؤكدا الأسبوع الماضي على ثوابت الموقف الفلسطيني، والتحذير من أن المفاوضات حول الوضع الدائم التي انطلقت يوم الاثنين الماضي بسرية تامة، لا يمكن أن تستمر في ظل استمرار الاستيطان.

وإذا كان من المهم بالنسبة للفلسطينيين أن يؤكدوا تمسكهم بمواقفهم وحقوقهم فإن تقوية الموقف تستدعي زيادة التنسيق مع الأشقاء العرب والإسراع في معالجة الانقسام الداخلي، فضلاً عن ضرورة القيام بحملة سياسية دولية واسعة ومتصلة لإطلاع المجتمع الدولي على حقائق الوضع وما يدور في الغرف المغلقة، بما يجعل إسرائيل وحدها تتحمل المسؤولية عن تعطيل ما يقال عن فرصة تاريخية متاحة من أجل تسوية الصراع.

كاتب فلسطيني