المقولة الشهيرة «المثقفون هم آفة الشعوب» ينسبها الكثيرون للزعيم السوفييتي الديكتاتور «جوزيف ستالين»، وإن كان المطلع على الأدبيات السوفييتية لا يستطيع أن يعثر على هذه العبارة ضمن خطب وكلمات ستالين، حتى أن البعض ينكر أن يكون ستالين هو قائل هذه العبارة.

وذلك ليس دفاعا عن ستالين بل على العكس فإنهم يقولون إن ستالين كان جاهلا ولم يقرأ في حياته كتابا واحدا وترك المدرسة قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، وإنه بحكم أصله الجورجي لم يكن يجيد اللغة الروسية إلا العامية منها.

ولهذا لا يتصورون أنه كان يستطيع تركيب مثل هذه المقولة، لكنهم نسبوها إليه لأنه أشهر الديكتاتوريين الذين اضطهدوا المثقفين وأعدم ونفى الكثيرين منهم ، ومن أشهرهم الشاعر الروسي ياسينين والمخرج المسرحي الشهير ميرخولد والموسيقار العالمي رحمانينوف وغيرهم كثير.

الغريب في الأمر أن مقولة «المثقفون آفة الشعوب» تجد الآن الكثيرين ممن يؤيدونها ويقتنعون بها، ليس فقط من رجال السياسة والحكم الذين عادة ما يضجرون من المثقفين، بل أيضاً من المثقفين أنفسهم هناك من يؤمن بصحة هذه المقولة.

وقد سمعت الكاتب والروائي المصري المعروف جمال الغيطاني في حديث تلفزيوني يقول للمذيعة إن هذه المقولة صحيحة في جوهرها إلى حد كبير، لكن الغيطاني على ما يبدو لم يشأ أن يخوض في التفاصيل خشية أن يفهم من كلامه أنه يقصد أشخاصا معينين، خاصة وأن الحديث كان يدور حول سيرته الذاتية وحياته الشخصية والعقبات التي واجهته.

ولكن ما الذي حمل البعض على إطلاق هذه المقولة أو ترديدها؟

أعتقد أن الإنسان المثقف في حد ذاته ككيان إنساني هو شيء إيجابي وجيد ولا غبار عليه، ولا يمكن أن نقول إن كل مثقف هو آفة للشعوب، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسياسة نجد المثقف تحوم حوله التساؤلات والشكوك عندما ينخرط في العمل السياسي، فالمثقف بطبيعته إذا دخل في المعترك السياسي في مجتمعه فإنه في الغالب لا يضع أمامه إلا أحد خيارين، إما أن يكون مع النظام أو ضده.

ولا يقبل أن يكون محايدا بين الاثنين حتى لا يكون باهتا ومنعزلا وحتى لا يكون أيضاً محل شكوك من الآخرين، والأهم أن المثقف الذي يدفع بنفسه للمعترك السياسي نجده يميل للنجومية والظهور والدخول في دائرة الضوء، وهذا ما نلاحظه الآن كثيرا في مجتمعاتنا العربية بعد ظهور الفضائيات.

حيث نجد المثقفين يتحولون أمام الكاميرات التلفزيونية إلى خطباء ومنظرين وأصحاب مدارس في العمل السياسي، ويتحدثون بثقة تامة وكأن حديثهم لا يأتيه الباطل من أية جهة، ولا تجد أحدا منهم يستخدم كلمات مثل «أعتقد، أظن، لا أعلم، ربما» فهذه كلمات تنم عن ضعف في الثقافة وقلة في المعلومات، وهذه مظاهر تضعف شخصية المثقف الذي يعتبر نفسه مرجعية للآخرين.

وخاصة منهم من هم ضد النظام، ولا يختلف عنهم كثيرا نظراؤهم من المثقفين الموالين للنظام، فهم أيضاً يعشقون الأضواء والنجومية طمعا في نيل رضا النظام والاقتراب من دوائر السلطة، ونادرا ما نجد مثقفا محايدا أو ليبراليا حقيقيا تجذبه الأضواء، وذلك لأنه ليس لديه ما يجذب الناس إليه، فالناس تريد من المثقف أن يكون صاحب قضية وله موقف محدد من قضايا مجتمعه.

وهذا في حد ذاته يناقض طبيعة المثقف الذي من المفترض فيه أنه نموذج للحكيم المفكر الذي لديه القدرة على التعامل مع كل الأفكار وانتقاء الأفضل منها ولديه القدرة أيضاً كحكيم أن يتراجع بسهولة عن أية فكرة خاطئة كان قد اقتنع بها من قبل، وهذا أمر صعب تحقيقه في المثقف الذي يجذبه ميدان العمل السياسي.

المثقف داخل المعترك السياسي يعتبرونه آفة لأنه على استعداد كبير لتغيير موقعه وخياراته مع تغير الظروف، ولهذا نجد منهم الكثيرين كانوا بالأمس ضد النظام وأصبحوا بقدرة قادر معه عندما وجدوا الفرصة، والعكس أيضاً جائز عندما يرفضهم أو يهملهم النظام ينقلبون ضده.

وهذه الظاهرة مع الأسف متفشية الآن بشكل ملحوظ في مجتمعاتنا العربية،ونشاهدهم على شاشات فضائياتنا يتحدثون في كل شيء، وللأسف أن هذه النوعية من المثقفين هي الأكثر شهرة وهي التي تقدم نفسها كممثلة للنخبة من المثقفين، ولهذا يقاس عليها مستوى وسمعة عامة المثقفين في المجتمع.

elmoghazy@hotmail.com