أبي صياد سمك افتخر كثيراً بخبرته، علمني الكثير منها نظرياً وعملياً، وفي الصف الرابع ابتدائي علمنا أستاذ العلوم كيف يمكننا بذر بذور الشعير في قطن مبلل بالماء لتظهر أوراقه الخضراء بعد أيام. حسبتني تعلمت شيئاً فريداً أن يخضر الشعير في القطن الأبيض، وتفاخرت يومها بهذه المعلومة وفردت عضلاتي أمام أبي كي يشعر أن ابنه استفاد من درسه في المدرسة.
لكن أبي طلب مني إذا أنا أردت الزراعة أن أزرع الأرز والدقيق والسكر، وفعلتها بعدما حضرت مساحة في ركن البيت وسقيت تربتها بالماء ودفنت فيها حفنات من الأرز والسكر والدقيق، وسقيتها لأيام حتى سألني والدي عن النتيجة فأخبرته أنني انتظر، يومها ابتسم في وجهي وأخذني بقربه وبدأ يشرح لي أن الأرز والسكر والدقيق لا تزرع إلا في أراضيها الخاصة ومناخها الخاص، وأن الأرز يحتاج إلى تربة ومياه كثيرة وأن بلادنا لا تتوفر فيها هذه الطبيعة.
.. بعد سنوات طويلة سافرت إلى الهند وهناك مشيت وسط مستنقعات الأرز وشاهدت وريقاته الخضراء تمتد أمامي على مد البصر.
أمس قرأت مع من قرأ التقرير الاقتصادي الذي نشرته «البيان» وتوقعات بارتفاع أسعار الأرز نتيجة لأسباب أربعة منها ارتفاع نسبة الطلب، تأثر محصول الأرز في استراليا بسبب الجفاف، تحول مزارعيه في أميركا إلى زراعة الذرة لإنتاج وقود الايثانول وانخفاض مستوى إنتاج البسمتي في الهند.
ماذا لو استمر الحال على ما هو عليه وزادت حدة الأسباب ليصبح الأرز عملة نادرة على موائد الشعوب؟ ماذا عنا ونحن لا نستغني عنه إلا في موائد الإفطار الصباحي!!
أما المعلومة التي أثارتني في التقرير هي أن الهند دعتنا سابقا إلى الاستثمار في إنتاج الأرز على أراضيها، بحيث يمكننا شراؤه من المزارعين الهنود مباشرة وتأسيس مصانع تحمل اسمنا وشعارنا لغسله وتنظيفه وتغليفه ثم توريده إلى البلاد.
في ظل أسباب انكماش تجارة الأرز، وفي ظل ما نعانيه من ارتفاع أسعار وضغوط احتكار، وضبابية مستقبل هذه النبتة التي تطعم ملايين البشر يبدو هذا الخيار هو الأمثل، أن نزرع ونعلب هناك بأيادينا ونصدر لأنفسنا، وليست الهند فقط هي الباب المفتوح حسب التقرير وإنما بلدان عدة، المهم، وإذا ما كان ذلك، أن تكون تلك الشركات مساهمة نشترك جميعا في تكوين رساميلها عبر الاكتتاب، وبهذا نصبح جميعا مشاركين في صناعة الأرز وفي خيرات اقتصاده وفي أكله حسب العادات والتقاليد.
