إلى أي حد يستطيع الإنسان ألا يكون نفسه؟ وإلى أي حد يمكن لبشر أن يؤدي دوراً في مسرحية طويلة اصطنعها هو، وجعل نفسه بطلها الوحيد، الذي يؤدي دوره بإخلاص وإتقان، تجاه الآخرين الذين لا يعرفونه إلا كما يظهر لهم وهو متقنّع بقناع خاص بالدور الذي يؤديه أمامهم، ولكنه لا يمتّ إليه بصلة، ولا يشبهه لا من قريب ولا من بعيد. كما أن هذا القناع قد لا يكون هو القناع المناسب في موقف آخر، مع أشخاص آخرين، فيُستَبدَل به آخر أكثر مناسبة وانسجاماً مع الموقف والأشخاص.

كنا نظن أن الممثلين الذين نراهم على شاشات السينما والتلفاز، أو على خشبات المسارح، بارعون جدا، لأنهم يستطيعون أن يقنعونا ـ نحن كمشاهدين ومتفرجين ـ بأنهم هم الشخصيات التي يؤدونها في زمن يتراوح ما بين الساعة والثلاث، ويجعلونا نفرح معهم، ونبكي لبكاهم، ونصدق كل ما يقومون به لإتقانهم أدوارهم. ولكن ما مدى براعة هؤلاء مقارنة بمن يعيشون حياتهم كلها ممثلين، ومدعين، ومتقمصين لدور لا يمثل حقيقتهم وجوهرهم؟ إنني أرى أولئك يتقزمون أمام هؤلاء بالفعل.

من الصعب كتابة مثل هذا الكلام، ولكن الأصعب منه أن يعيش الإنسان هذا الإحساس، ويرى أن أشخاصاً كانوا مقربين جداً، أو كانوا في مقام عالٍ جدا بالنسبة له على الأقل، وربما يوشكون أن يكونوا قدوة له ولغيره، خلعوا في لحظة ضعف بشري كل ما تمسكوا به في لحظات القوة الشيطانية.

وظهروا كما لم يشاءوا قط أن يظهروا، بأنيابهم المخضبة بدماء ضحايا كانوا يعدّونهم أصدقاء، ولكنها فقط حسابات المصالح والأهواء التي كانت تجمع بينهم، لتغرب شمس الصداقة والعلاقات الإنسانية بمجرد غروب شمس المصلحة من سماء تلك العلاقة.

هذه حالة واحدة فقط، من الممكن أن يؤديها هذا الشخص عَرَضا أثناء قيامه بما هو أهم وأعظم من هذا الموقف الذي ينتهي التفكير به، والتخطيط له، والتنفيذ في زمن قصير جدا. أما الحالات الأخرى فمنها تلك التي تستغرق زمنا طويلا في بناء شخصية مزيفة، يعرفها الآخرون بزيفها البراق، ولا يستطيعون ـ لحذق الممثل ـ معرفة باطنها المتعفن.

وقد تصل هذه الشخصية إلى مستوى المثل الأعلى، والشخصية النموذجية، والمثال المحتَذَى، وهي تظن أن عفونتها لن تظهر إلى السطح، وأن المخدوعين المغرَّر بهم سيبقون كذلك إلى أبد الدهر، ولا تعلم ـ أو لا يهمها أن تعلم ـ أن لا شيء يبقى على حاله، وأن لكل أجل كتابا، حتى الخداع والزيف.

كيف يمكن أن ينقلب الخير شرا في غمضة عين، وكيف يمكن التأرجح ما بين كفتيْ الخير والشر على حسب اتجاه هواء المصلحة؟ هذه أسئلة لا أتوقع أن أجد لها إجابات، لكن عدم وجود إجابات لها تشفي الغليل لا يمنع من طرحها على الأقل.

يحيط بنا كذلك في هذه الحياة الموارة التي يتجاور فيها الصالح والطالح بشر لا يريدون سوى الصعود على أكتاف الآخرين، ولا يهمهم سوى أن يبرزوا، ولكن بشرط أن يكون البروز مقترنا بسقوط آخرين، لذلك يصبح همهم في الحياة «الدنيا» أن يُسْقِطوا الآخرين، لا أن يرتقوا بأنفسهم، فنجدهم دائما في حالة استعداد لحرب ليس لها وجود إلا في خيالهم المريض.. يسنّون رماحهم المسمومة.

ويشحذون سيوفهم، ويتحينون الفرص لضرب الغريم ـ الغافل عادة عنهم وعن حقيقة مشاعرهم ونواياهم تجاهه ـ على حين غرة، دون أن يفوتهم في بعض الأحيان أن يقلبوا كل الحقائق، ويظهروا أنفسهم في مظهر المظلوم، الذي لا يفكر في أن ينتقم لنفسه، على الرغم من كل ما يصيبه من سوء وأذى.

مثل هذا النموذج البشري ـ وإن أراد القارئ حذف الباء فله ذلك ـ منتشر بيننا، حاضر في كل مكان، يراقب.. يتحين.. ثم يسدد، دون أن يعطي خصمه حق معرفة ما يُحاك له، ومع ذلك يفرح بانتصاره عليه. وهنا أذكّر بأن من أخلاق العرب عدم الغدر، ولم يكن عربي يفخر قط بانتصاره على غريم مغدور.

وكان يرى ذلك من نقائص رجولته، وقد يظل مثل هذا الموقف عارا يلحق به وبذريته على مدى أجيال وأجيال. ولكن منذ أن اختلط العرب بغيرهم، ذهب الكثيرون مغدورين، ولنا في مصادر التاريخ العربي والإسلامي إثباتات اصطبغت باللون الأحمر حقيقة ومجازا، تدعم هذا الزعم.

هذا غيض من فيض يزدحم في الصدر، أعتذر للقارئ على إشراكي له فيه، ولكن مثل هذه الحالات المحيطة بنا في مجتمعاتنا ـ التي اكتسبت عادات ليست أصيلة فيها ـ يجب لفت الانتباه إليها، كي يكون وقع الصفعات أخفّ على من يشاء له سوء حظه أن يتلقى شيئا منها.

لا أعلم حقيقة.. كم مرة يمكن لنا تحمل صفعة تُلْقي بها كف الدهر على وجوه ضمائرنا على حين غرة، دون أن نكون مهيئين لتلقيها، لنصحو بعدها ونجد أفواهنا لا تزال مفتوحة، تحاول أن تتلفظ بأي كلمة فتعجز، لأن كل الكلمات تكون ضئيلة جدا أمام مفاجأة الصدمة، لكن الذي أعرفه هو أننا جميعا مهما كبرنا نبقى صغارا في مدرسة الحياة.

إذ يكبر المرء منا وهو يظن أنه خبر الحياة وأهلها، وعرف منعطفاتها ومنعرجاتها، ونفسيات أهلها وتقلباتها، وأنه لن يُؤتى من بين يديه ولا من خلفه، لأنه أصبح يضع كل شيء وكل شخص في موضعه الصحيح والمناسب، ولكنه يُفاجأ بأن الحياة تكشر له عن أنيابها القذرة.. مرة بعد مرة.

وتقول له إنه لا يزال طفلا صغيرا في عالمها الواسع بخيره وشره، وأنه مغرور إن ظن أنه أحاط بكل تفصيلاتها علما، وأن ذلك بالذات ما يزيده جهلا على جهل،.. ولكن درسها الأهم على الإطلاق هو تنبيهها لنا على أن كل هذه الملامح التي نراها من حولنا ليست سوى أقنعة، ولكنها من وجوه!

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com