عطشنا للمطر يجعلنا نشعر بالفرح ونحن في بطن المآسي، هذا العطش النفسي لليالي الباردة والنهارات الملبدة بالغيوم، وغياب الشمس لكي تستريح العيون بعد أشهر طويلة من أشعتها اللاهبة وحرقانها..

عطش للمطر يحولنا أطفالا نلهو في الساحات، نهرب إلى المساحات الواسعة لنعيد ممارسة حياتنا اليومية بطريقة بدائية وقديمة نحن إليها، عطش يجعلنا نشتاق لرائحة (حطب السمر) المحترق ورائحة التراب المبتل بالماء.

يقلب المطر حينما يكون سخيا في زخاته حياتنا فوق تحت، يربكنا، يبعثر فينا النظام وتهتز تجهيزاتنا كلها.. تتصادم السيارات في الطرقات بين بعضها البعض، ومنها ما يسقط في برك الماء، تتعطل المدارس ونتعطل عن الوصول إلى المواعيد المحددة، تحترق كابلات الكهرباء وقد يسقط ضحايا للماس الكهربائي في الاحياء السكنية القديمة والمتروكة دون صيانة أو رعاية أو إجراءات احترازية..تنكشف عيوب التجهيزات، وعيوب الاستعدادات، وعيوب نقص الإمكانات..ندخل في حالة من الهرج والمرج تصل إلى الشكوى والتذمر.. تصعب الحياة وتتعقد ونحن نعيش غبطة المطر وفرحة الطفولة..

في مناسبة قديمة ايضا زارنا في أيامها مطر غزير اغرق حياتنا، تحدث مسؤول يدافع عن مدى جاهزية شبكات تصريف المياه في الشوارع ومدى جاهزية رجاله في الطوارئ الشديدة مدافعا عما أنجزته إدارته لمواجهة فرح المطر، وحينما عجز عن تبرير عجز كل الاستعدادات التي قال عنها بالحرف الواحد..نحن في بلاد يسودها مناخ صحراوي نسبة هطول المطر فيه نادرة، والمطر عندنا زائر غريب، يأتي لأيام قليلة ثم لا نراه وصرف الملايين على شبكات تصريف المياه يكلف كثيرا ويرهق الموازنات المالية، فلماذا نأبه بهذا الزائر الغريب!!

أمس شلت زخات من المطر الحياة، عطلت ودمرت وأنتجت العديد من الحوادث.. وعلى رأي هذا المسؤول، فإنها مرة واحدة، صدفة في العام الواحد، أزمة تنقشع سريعا وعلينا تحملها.

يبقى مهرجان المطر، مهرجان فرح طفولي في مناخ الصحراء الذي تغضب الشمس عليه على مدار المواسم كلها، وتبقى أزمتنا في موسمه أزمة مؤقتة، لكنها مؤلمة في ظل الهرج والمرج الذي يحدث وفي ظل وجود أفكار ذلك المسؤول المعطلة لكل شيء جميل.

mhalyan@albayan.ae