انتهت في مدينة نيويورك الأسبوع الماضي الجولة الثالثة من المحادثات بين الحكومة المغربية وحركة بوليساريو دون التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع المستمر منذ 32 عاماً بين الجانبين. وقال وسيط الأمم المتحدة بيتر فان فلسوم إن الجانبين قد اتفقا على مواصلة المحادثات في الحادي عشر من شهر مارس المقبل في نيويورك.

وقال الوسيط إن الجولة الأخيرة التي استمرت يومين لم تفلح في تسوية «الخلافات القوية» بين الطرفين. وقد حضر المحادثات ممثلون عن الحكومتين الجزائرية والموريتانية. وقال الوسيط الدولي إن الجانبين بحثا السبل الكفيلة ببناء الثقة بينهما، إلا أنهما لم يتفقا على شيء .كما بحث الجانبان قضايا أخرى تتعلق بالإدارة والصلاحيات والهياكل.

وهذه النتيجة تعني ان الجولة فشلت وان عمليات بناء الثقة لم تحدث ، مع انه من المفروض أن تكون الجولتان السابقتان قد حققتا هذا الهدف. ويبدو من القضايا التي يدور حولها الخلاف أن هناك صعوبة كبيرة في التوصل إلى تسوية، ففي الوقت الذي قال فيه وزير الخارجية المغربي الطيب الفاسي الفهري الذي مثل بلاده في المحادثات أن مجلس الأمن كان قد وصف عرض بلاده بمنح إقليم الصحراء حكما ذاتيا بأنه عرض «جدي وذو مصداقية» يرمي إلى «تحريك العملية السياسية قدما نحو الحل».

وعبر الفاسي الفهري عن امله في ان يتمكن الطرفان من انجاز تقدم خلال الجولة الرابعة من المحادثات قائلا: «لقد خطا المغرب خطوة كبيرة، ونتوقع من الطرف الآخر ان يرد بأسلوب مماثل». جاء رئيس وفد بوليساريو محفوظ علي بيبا ليكرر التزام حركته ب«إجراء استفتاء حر ونزيه يختار فيه الشعب الصحراوي بين الاستقلال التام الذي تدعو له بوليساريو والحكم الذاتي الذي طرحه المغرب».

وفي الوقت الذي رحب فيه مندوب بوليساريو بقرار مواصلة المحادثات، فانه حث الجانب المغربي على «التخلي عن سياسة الإملاء والابتعاد عن الرغبة في فرض الحلول من جانب واحد». وهو ما يعنى ان الجانبين مازلا يتصرفان إزاء بعضهما البعض بأسلوب الحرب الباردة وليس بأسلوب يهدف إلى بناء الثقة فيما بينهما.

وإذا كان معظم المراقبين والمحللين للشأن المغاربي وللعلاقات بين الدول في منطقة المغرب العربي يفضلون أن يتعاملوا مع مثل هذا الفشل بالنظر إلى القوى المشاركة فيه بصورة مباشرة او باعتباره ساحة إقليمية لصراعات دولية متعددة، إلا أننا نعتقد أن توسيع مدى التناول والتحليل يمكن أن يكون أفضل واشمل ويعطي صورة أدق عن النتائج التي يمكن أن تتوصل إليها المفاوضات.

ونعتقد أن الأزمة ليست فقط في تعسف الأطراف المباشرة في المسألة الصحراوية أو وجود اطراف أخرى خارجية تدفعهم إلى هذا التعسف ، ولكن المشكلة تكمن أكثر في ضعف المنظمة الدولية الراعية لهذه المفاوضات وهي الأمم المتحدة.

فالمسألة الصحراوية في عهدة هذه المنظمة منذ عشرات السنين وعلى الرغم من ذلك فهي لم تتحرك ولا خطوة واحدة للامام وإنما حالها مجمد. وعندما تبنت المنظمة الدولية حلا لها لم تستطع أن تفرضه على الاطراف الداخلية وإذا كان هذا الحل غير واقعي بسبب الصعوبات الفنية التي اعترضت تطبيق الحل الدولي خاصة فيما يتعلق بتحديد من لهم حق الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء على مستقبل الصحراء، فإن ذلك يعود إلى عدم واقعية الحل الذي تبنته المنظمة الدولية بما عاد بالمسألة إلى نقطة الصفر أكثر من مرة.

واذا كان بعض علماء العلاقات الدولية رأوا أن هيئة الأمم المتحدة انتهى دورها بمجرد انتهاء الحرب الباردة، فإن المسألة الصحراوية هي تجسيد حي لهذه الأزمة ودليل على صدق هذه المقولات.

وهنا لابد من التذكير ان الفترة الوحيدة التي حدث فيها اختراق فعلى صعيد هذه الأزمة هي تلك التي تولى فيها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر مهمة المبعوث الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة للمسألة الصحراوية، ففي هذه المرحلة جرت لأول مرة مباحثات مباشرة معلنة بين المغرب وبوليساريو، ومنذ ذلك الحين نستطيع أن نقول ان الموقف أصبح مجمدا بين الجانبين.

وفي خريف عام 2005 عندما بدأت أصوات داخل الأمم المتحدة وعلى الأخص داخل مجلس الأمن تريد أن تفرض الحل الدولي على الأطراف المباشرة التي لا تستجيب لأية مبادرات ولا تبدي أية رغبة في تقديم تنازلات ، صرح الرئيس الأميركي جورج بوش بأنه يؤيد الموقف المغربي وانه يرفض أن تفرض المنظمة الدولية حلها على الأطراف الأمر الذي زاد من تعنت هذه الأطراف الداخلية لأنها أدركت أن المنظمة الدولية لا تستطيع إزاءها شيئا.

هو ما يعني غل المنظمة الدولية عن ايه إمكانية للتعامل مع الموقف وبالتالي أصبحت التسوية أمرا من الصعوبة بمكان لأنها تتطلب تنازلات والأطراف الداخلية لا تريد ان تقدم تنازلات لأنه لا توجد أية وسائل او آليات للترهيب أو الترغيب تجعلها تقدم على هذه التنازلات.

وبالطبع فإن القوى الدولية الكبرى ان كانت تريد أن تتقدم محادثات الصحراء التي ترعاها الأمم المتحدة لكانت قد قدمت لدول الأطراف سواء المباشرة أم غير المباشرة أية «جوائز» نتيجة التوصل إلى حل أو لمارست عليها أية ضغوط وهي تقدر على ذلك لكنها لا تريد لأنها إما لا تريد أن تنجح الأمم المتحدة أو أنها لا تعول عليها كإحدى مؤسسات النظام الدولي الجديد الذي تأسس على أنقاض الحرب الباردة.

ومن هنا يمكننا القول ان الأطراف التي دخلت إلى هذه الجولات التفاوضية دخلتها ليس من اجل التوصل إلى تسوية نهائية وإنما من اجل تحقيق هدفين معا الأول الا يحملها الطرف الآخر مسؤولية فشل الجولات إذا لم تشارك فيها، أما الهدف الثاني فهو الترصد إلى الطرف الآخر داخل المفاوضات من اجل إثبات انه هو الذي يعيق تقدمها، وهو ما يعني أن كل طرف شارك وفقا لأجندة تختلف عن الأجندة المطلوبة لتحقيق حل دائم للمسألة الصحراوية.

من هنا فإن التوصل إلى حل يتطلب ضغوطا من خارج المفاوضات على الأطراف المشاركة فيها وهنا تكمن أزمة الأمم المتحدة التي لا تستطيع أن تجبر الأطراف الخارجية على المضي قدماً في هذا الأمر.

كاتب مصري