في مؤتمره الصحافي مع أبو مازن دعا الرئيس بوش إلى نسيان القرارات الدولية تحت ذريعتين الأولى أنها تمثل الماضي والتعلق بأستار الماضي لا يجدي والثانية أن الأمم المتحدة فشلت على مدى ستين عاما في حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومن ثم فإن من الحكمة تغيير مرجعيات الحل.
قد تكون الدعوة في ظاهرها تحريكا لمياه التسوية الراكدة ..لكن باطنها ينطوي على عصف بالحقوق الفلسطينية والعربية لم يحدث من قبل في تاريخ الصراع، والمؤلم أن أبو مازن لم يعلق ببنت شفة، إما لأنه يوافق على هذا الطرح غير المسبوق، وإما لأنه لم يشأ إحراج ضيفه والاختلاف مع أطروحاته على الملأ ...
لكن رئيس السلطة الفلسطينية بصمته قطع الطريق على العواصم العربية التي يزورها بوش في أن تناقشه مجددا في قناعاته هذه، فإذا كان الفلسطينيون المعني الأول بالصراع قد قبلوا هذا المنطق الأعوج فإن حجة العرب تصبح داحضة في مواجهة البلدوزر الأميركي الذي يحاول تغيير مرجعيات كانت تحقق الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني. ما مغزى دعوة بوش التي مرت مرور الكرام على العالم العربي فلم نسمع لها نقدا أو استنكارا؟
هناك تفاصيل عديدة فهي تضرب في أكثر وجع..
الأول أن القضية لم تعد قضية 10 ملايين فلسطيني وإنما جرى اختصار هذا العدد إلى 7. 3 ملايين يعيشون في الضفة وغزة والقدس ، فبالتشديد على يهودية الدولة الإسرائيلية تضيع حقوق نحو 1. 1 مليون فلسطيني يعيشون وراء الخط الأخضر ، وبالدعوة إلى التخلي عن القرارات الدولية وأهمها القرار 194 تضيع حقوق نحو 5 ملايين فلسطيني في الشتات، وجل ما يفترض لهم بديلا عن العودة والتعويض هو اقتراح آلية للتعويض ستدخل في متاهات حول من له هذا الحق..
هل هو كل مولود وحي فلسطيني هجر من أرضه أو ولد في المنافي، أم الجيل الذي أجبر على ترك أرضه وأورث أولاده الشتات دون أن يورثهم تعويضا عن شتاتهم؟. ومتاهة أخرى تتمثل في كيفية وصول هذا التعويض لأصحابه، هل عبر منحه للحكومات التي يقيم الفلسطينيون على أرضها لتوطين واستيعاب هؤلاء ومنحهم الجنسية وحقوق العمل والمواطنة فيها؟ أم أن ذلك حق شخصي لكل فلسطيني جراء مرارات المنافي التي ساقته إليها العصابات الصهيونية ودولة إسرائيل التي ورثتها؟
الثاني أن حدود 67 التي كانت تتشبث بها التيارات «الواقعية» في الساحة الفلسطينية لم تعد مطروحة كحدود للدولة المستقبلية، فهناك جدار فصل عنصري وغابة من المستوطنات تمت إقامتها، وبمنطق بوش فإنه ينبغي الحفاظ علي الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة تحت السيادة الإسرائيلية، ولا مانع من أن «يتكرم» الطرف الإسرائيلي ويمنح الفلسطينيين بدائل صحراوية لها لن يضير كثيرا إذا لم يحصل الفلسطينيون عليها.
الثالث أنه لم تعد هناك مرجعيات حقيقية، فغاية ما يتبقي هو خريطة الطريق ذلك الاختراع الأميركي الأسوأ ورؤية بوش الهلامية التي تقوم على دولتين لشعبين دون تحديد ما إذا كانت الدولة الثانية التي ستنشأ في حضن إسرائيل وتحت رعايتها ستمتد على مساحة الضفة وغزة والقدس الشرقية كما كان يتصور سلفا أم ستقام على كانتون يضم المدن الفلسطينية الكبرى يرتبط بجيتو غزة عبر نفق أو طريق تحت الحراب الإسرائيلية.
هكذا ينخفض السقف أكثر وأكثر وبعد أن كان مطروحا في كامب ديفيد الثانية نحو 97% من مساحة الضفة إضافة إلى القطاع كاملا وجزء من القدس الشرقية تتقلص الطموحات وتبدي السلطة الفلسطينية استعدادها لتنازلات بدلا من أن تطالب بالبدء من النقطة التي انتهت عندها المفاوضات في سبتمبر 2000 .
الذنب بالطبع ليس ذنب بوش الذي تلقي هدية لافتة من أولمرت قبل ساعات من مطالبته بنسيان قرارات الشرعية الدولية، وهي قميص المنتخب الإسرائيلي لكرة القدم في إشارة إلى أنه صالح لتمثيل طموحات إسرائيل السياسية ، بل ذنب الفلسطينيين في المقام الأول والعالم العربي بأكمله لأنه تخلى عن قضاياه المصيرية وسلم أوراق اللعبة كلها للاعب الأميركي، وإن وجد نفسه مجبرا على التعامل بعدالة سيبحث دون شك عن ميدان مقامرة آخر.
إسقاط القرارات الدولية يعني في حقيقته إلغاء الحقوق الأدبية والقانونية والتاريخية للفلسطينيين ويضع وجوههم للحائط ،فلا مرجعيات ولا تاريخ لمظلمتهم، وكل ما يمكنهم عمله هو استرجاع ما تتعطف به إسرائيل عليهم أو تمكنهم قوتهم ـ وهي قليلة ـ من انتزاعه.
كلمات بوش ليست دعوة لسلام ولا حتى تسوية بقدر ما هي دعوة لحرب، ففي غياب أي شيء يلزم إسرائيل بالتراجع لم يبق إلا خياران.. إما الانخراط في دوامة سفسطة وتسويف إسرائيلي ـ أميركي قد يدوم ألف عام، أو العودة إلى خيار المقاومة المسلحة التي أوشكت في وقت من الأوقات أن تجعل إسرائيل تنكفئ وراء الخط الأخضر دون اتفاقات مع أحد.