كم منا لديه إلمام ولو عام بالحقب التاريخية التي مرت على أرض الدولة؟ وكم منا زار أو تعامل مع المواقع الأثرية التي تتوزع من حولنا في ربوع المدن والقرى؟ ومن منا يتعامل مع اللقى والآثار التي كشفت عنها البعثات الآثارية التي توالت على زيارتنا والتنقيب في ترابنا؟
المختصون والمهتمون بالأمر هم فئة قليلة، واختصاصهم يدفعهم إلى الاطلاع، لكن نحن الناس العاديين، عامة الشعب، لن نلتقي مع مثل هذه المعلومات إلا بالصدف، أو في كتب مناهجنا الدراسية وبنسبة بسيطة.
إدارات الآثار ودوائرها تتحفنا بين الحين والآخر بآخر أخبار عمليات التنقيب والبحث، نقرأ تلك الأخبار على مضض ومن باب الفضول البسيط، لكن لا تعيش ذاكرة المكان كثقافة متداولة وحاضرة، ولا أحد منا يستطيع ان يقول عن ظهر قلب عن ربع تاريخ المنطقة الممتد عبر الحقب الزمنية والعصور التي توالت فوق ترابنا.. ليس هناك حضور لهذا البعد التاريخي في الثقافة العامة.
علماء الآثار الذين يزوروننا يذهبون إلى ديارهم محملين بوجبات مشبعة من المعلومات التاريخية عما سطره الزمان تحت ترابنا ومبانينا الشاهقة، فيما نحن قد نكتفي بمعرفة قليلة جداً تنتهي عند حدود معرفة عدد المواقع الأثرية وأسمائها ان أمكن ذلك.
هذا الغياب القسري له أسبابه.. وأولها هو اننا ما زلنا نتجاهل أهمية ان يبقى البعد التاريخي حاضراً في الحياة، وثانياً ان كثيراً منا يعتبر كنوز الماضي هي للماضي، وحضورها للفرجة لا للتأمل والإدراك والفهم. لهذا فان متاحفنا إلى اليوم تبقى في حدود انها مخازن معدة بشكل مناسب لحفظ الآثار وعرضها، ولا تفعل المتاحف أو القائمون عليها أكثر من ذلك، فيما نرى في المتاحف الأكثر تطوراً في العالم ان هناك استثماراً معلوماتياً يمثل قيمة تلك الآثار مع محاولة جعلها حاضرة في الحياة.
إدارات التراث عندنا وحينما تجتهد تخرج لنا كتالوجات مصورة ونبذاً قصيرة ومختصرة عن كنوز تاريخنا، ومحاضرة يتيمة هنا وأخرى هناك عادة ما تكون لأصحاب الشأن وقلة من المهتمين.. ومحدودية إمكانات إدارات التراث يبدو انها الحاجز الأكبر أمام الانطلاق في مشاريع ترويج المادة العلمية حول تاريخ الآثار والعصور والأمم التي مرت من هنا.
برامج التلفزيون هي الأخرى عبارة عن زيارات ميدانية للمواقع الأثرية ومقابلات مع آثاريين.. نادرة وقليلة.. ويبقى السؤال: كيف نعيش زخم التاريخ.. تاريخ أرضنا.. تاريخنا؟
