معظم فلاسفة التاريخ وشراح الحضارات وفقهاء العلاقات الدولية المعاصرين، لا يختلفون على ان الولايات المتحدة الأميركية ربما كانت الأوفر حظاً من حيث الاستحواذ على مقدرات القوة بمعناها الشامل، قياساً بكل الكيانات السياسية التي عرفها الاجتماع الإنساني. بيد أن التوافق العام على هذا الرأي لا يبقى على حاله عندما يستطرد أصحابه إلى الأساليب التي وظفت بها النخب الأميركية الحاكمة هذه المقدرات تجاه عوالم الآخرين..
هنا تتعارض التقييمات ويثور التنازع بين من يعتقدون أن العالم بصدد دولة ملائكية ساقتها الأقدار إلى خدمة البشرية وإعمار الكون بالحرية والتقدم الاقتصادي والتقني وسيادة القانون ومحاربة الاستبداد.. وبين من يرون العكس على طول الخط تقريباً، وصولاً إلي القول ان «العالم قبل تبلور هذا الكيان واندياح سلوكه الشيطاني في الجهات الأربع كان أفضل بكثير».
للوهلة الأولى، يظهر هذا التناظر وكأنه لا ينطوي على جديد. فالحالة الأميركية ظلت منذ إطلالتها الأولى، وبسبب استثنائيتها الواضحة، محلاً للإعجاب والنفور؛ للإقبال والترحيب والخوف والرهبة. وفي غمرة هذه المشاعر الحدية المتعاكسة، كان هناك من يفضلون مقاربة هذه الحالة بعقل حيادي بارد، يأخذ في الاعتبار سنن وخبرات صعود القوى الدولية وهبوطها وتصرفاتها الداخلية والخارجية القائمة علي منطق المصلحة المغموس بالأنانية وإيثار الذات.
وغالباً ما انتهى هؤلاء الأخيرون إلى أن مسار النموذج الأميركي ومصيره ليس بدعاً من هذه السنن والخبرات. ذاهبين إلى أن تصارع المنظورات بشأن أدوار الإمبراطوريات والدول الكبرى أمر شائع في البحوث التاريخية والحضارية، بل وربما كان هذا الأمر دليلاً على تميز هذه الأدوار، تماماً كما هو الحال مع الأفراد والرموز القيادية من خاصة الأقوام.
لكننا نتصور أن ثمة جديداً لافتاً بالفعل على صعيد متابعة حاضر الدور الأميركي «الإمبراطوري» ومصيره، خلاصته انحياز المعنيين أكثر فأكثر إلى توقع الأسوأ والميل إلى أصحاب الرؤية السلبية، سواء كان هؤلاء من المحتدين المتحاملين على السياسة الأميركية أم من المعتدلين الملتزمين بالمعالجة الموضوعية.
اللافت أيضاً أن شواهد وإمارات الطعن في حال ومآل المثل الأميركي ما عادت تصدر فقط عن المشحونين إيديولوجيا أو سياسياً ضده، لا سيما في عالم الجنوب، وإنما باتت تتسلل بوتيرة متسارعة وبكثافة متزايدة بين يدي مقاربات بعض أهل الذكر في الغرب دون استثناء الرحاب الأمير كية ذاتها!. لنتأمل بعض هذه الشواهد..
لقد قيل في أوج الحرب الباردة إن ثمة معادلة صفرية تحكم أنماط التحالفات والاصطفافات الدولية وراء قطبي النظام العالمي. وكان المقصود بذلك أن كل طرف أو حليف يخسره الاتحاد السوفييتي زعيم المنظومة الاشتراكية في الشرق، يضيف محازباً أو نصيراً إلى المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة في الغرب والعكس بالعكس. وقتذاك، كان لهذه المقولة رواج، حتى أن قلائل فقط هم الذين اقتنعوا بموقف عدم الانحياز الذي اشتقته بعض دول ما سمي بالعالم الثالث أو الجنوب.
والحق أن القطب الأمير كي كان مشدوداً أكثر إلى منطق الاستقطاب ومراكمة الأتباع ومعاكسة مفهوم الحياد سلبياً كان أم إيجابياً. يدرك ذلك كل من طالع العقيدة الأميركية في مواجهة المد الشيوعي وتعجيز موسكو، التي عملت تحت عناوين مختلفة كالاحتواء وبناء الأحلاف وسباق التسلح في الخارج، والمكارثية في الداخل. ما يعني أن فكرة «من ليس معنا فهو ضدنا» التي تنسب إلى ممارسات إدارة جورج بوش الابن لها جذور في تقاليد السياسة الأميركية قبل الحادي عشر من سبتمبر بكثير.
اليوم، مضى على أفول الاتحاد السوفييتي ومعسكره بالكامل عقد ونصف. بل وأضحت موسكو مشغولة بصيانة ما تبقى لها من نفوذ وسطوة في دائرتها الاتحادية الروسية المعروفة قبل ثورة 1917. هذا علاوة على تعرض الايديولوجية الشيوعية وتوابعها الاشتراكية لأنماط من التجريح وأحياناً للإدانة والتجريم. ومع ذلك، لا يصح الزعم بأن هذه المتغيرات أدت بمرور الوقت إلى تعاظم إعجاب دول الجنوب بالنموذج الأميركي وسياسته أو أنها أشعلت الأشواق للانضواء «الطوعي» تحت عباءته.
بكلمات أخرى، فإن أهل الجنوب وقطاعات تتزايد من أبناء الشمال، على المضمار الشعبي بالذات، لا يرون في المثل الأميركي بمختلف تجلياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، القدوة التي تستحق الاحتذاء والمحاكاة بشكل تلقائي.
قد يجادل البعض في صحة هذا الطرح على اعتبار أنه لا يستقيم مع ما هو مؤكد بالوقائع حول انتشار النفوذ الأميركي وتغلغله في مناطق وعواصم عالمثالثية وشمالية لم يطأها من قبل.. وبعضها كان عصياً على الاختراق، إما لاندراجه تحت الملاءة السوفييتية أو لاستعصامه حقيقة لا تمويهاً بمبدأ عدم الانحياز.
لهؤلاء تتعين ضرورة التمييز بين الجاذبية الطبيعة التي تنساب بلا عوائق للنموذج الأميركي، وبين محاولة فرضه أو حتى النجاح في فرضه جبرياً، بدبلوماسية الاملاءات والتهديدات والحروب والوقائية ومناورات حاملات الموت براً وبحراً وجواً والضغوط الاقتصادية والمالية والحملات الإعلامية الدعائية.. وذلك كله بمعزل عن أية اعتبارات قانونية أو أخلاقية رادعة.
القصد، أنه إذا ما خصمنا عناصر القوة والإكراه المستخدمة أميركياً بكثافة في المحيط الدولي، فلربما لن نجد المثل الأميركي يستقبل بالخطوة أو الحفاوة التي طمع فيها منظوره ومعتنقوه طويلاً.
ترى هل يعني ذلك أن فقهاء النظام الدولي زمن الحرب الباردة عليهم إعادة النظر في معادلتهم الصفرية المومأ إليها أعلاه بأثر رجعي؟... ربما كان هذا صحيحاً، لأن زوال القطب الشيوعي لم يؤد إلى وقوع شعوب جنوبية (وشمالية) كثيرة في غواية القدوة الأميركية بصورة ودية أو عن قناعة واستلطاف. توحي بهذا التعميم، الممانعة القوية التي تلقاها سياسات واشنطن ومساعيها التعبوية في مناطق كثيرة، على رغم حضورها المكثف والخارق للأعين هنا وهناك!
إبان الحرب الباردة، كان بوسع الإدارات الأميركية إحالة النفور والسخط من سياساتها إلى التحريض السوفييتي المتعامد مع عداء «الجيوب الشيوعية العميلة» لموسكو. ولعل أجواء التنافس الاستراتيجي المحموم آنذاك قد مكنتها من تبرير سلوكها تجاه العالم الثالث. والظاهر أن زوال المنافسة والمنافس كشفا حقيقة الأجندة الأميركية، بحيث صار من السهل الحديث عن الهيمنة وتطويع الآخرين كخصائص أصلية غير طارئة في هذه الأجندة.
أسوأ ما يسبطنه التعامل الأميركي الحالي مع شعوب الجنوب وبعض حلفاء الشمال، هو أن الغضب من سياسات واشنطن ونخبها الحاكمة حتى عند المنصاعين لها قسراً، أضحى ينال من صورة «الحلم الأميركي» التقليدية.
مصدر الخطورة هنا، صعوبة إن لم تكن استحالة، تصحيح أو تحسين هذه الصورة الجمعية النمطية إذا ما ترسخت في الوجدان والأذهان. فبالنسبة لقطاعات واسعة من شعوب الجنوب وبعض شعوب الشمال، لم تعد الولايات المتحدة «مدينة على جبل»، يتحرق الناس للاستظلال بقيمها ومحاكاتها.
هناك والحال كذلك ما يؤشر إلى تصدع أشياء منظورة وغير منظورة في النموذج الأميركي.. أشياء سوف تتداعى وتستطرق إلى الدور والنفوذ العالمي «الناعم» لواشنطن، حتى وان بقيت الولايات المتحدة الدولة الأقوى عالمياً.
كاتب وأكاديمي فلسطيني