«لدي مشاكل مادية مع البنوك وقد استنزفت قدراتي على إعانة أهلي العجزة وإعانة نفسي أيضاً فو الله لو ما كنت بحاجة لما قدمت إلى غدر البنوك»؛ «أنا مواطنة اقترضت مبلغا من البنك وذلك بسبب مساعدتي لزوجي الذي يعاني من تراكم الديون عليه لاستكمال بيت الزوجية لأسرتي التي تتكون من 7 أشخاص.
ولكن مع متطلبات الحياة اليومية يستدعي أن يكون الراتب كاملاً حتى نستطيع أن نسد حاجتنا»؛ «أنا سيدة في مقتبل العمر ولدي ثلاثة أبناء ولكن الديون أرهقتني و70% من راتبي يذهب للبنك، وأدعو الله ليل نهار بأن تنفرج كربتي وكربة إخواني المدينين»؛ «لقد غرق أهل هذه الأرض المعطاءة في هموم الديون التي لا حول لنا ولا قوة، متمنية من الله تعالى ومن أهل الخير أن ينقذونا من هذه الديون بعد أن أصبحت البنوك وحشا مفترسا يتربص بنا في بداية كل شهر».
أود أن استسمح إخواني وأخواتي أصحاب التعليقات بأنني قمت بنشر تعليقاتهم في هذه المقالة بدون أن أكلف بذلك، وإنما استقطعتها من التعليقات التي وردت في موقع البيان الإلكتروني على الحملة التي قامت بها مشكورة جزيل الشكر مؤسسة «رواق عوشة بنت حسين الثقافي».
والتي يأتي على رأسها الدكتورة موزة غباش التي تستحق كل الثناء والتقدير على حسها الوطني الراقي الذي يلامس هموم ومعاناة الآخرين وبذلها قصارى جهدها بأن تترجم شعورها الوطني تجاه قضايا مجتمعها إلى واقع عملي ملموس وذلك من خلال الحملة التي أطلقتها لسداد دين بعض المدينين والمسجونين والتي جاءت تحت عنوان «يداً بيد نفك القيد»، لقد بلغت قيمة الديون من خلال الملفات التي قدمت للرواق وتمت دراستها حوالي 117 مليون درهم و500 ألف و249 درهماً، موزعة على جميع إمارات الدولة.
والرواق في ذلك يضرب مثلاً مشرفاً يحتذى به بين مؤسسات المجتمع المدني في دولة الإمارات، وهو بهذا العمل يضخ الحياة من جديد في مسيرة العمل التطوعي المحبط والمتعثر في الدولة وخاصة بعد اللغط الكبير الذي دار حول جمعية حقوق الإنسان.
بالنسبة لموضوع الديون والقروض في الإمارات يعتبر واحدا من أبرز الملفات التي باتت تؤرق الجميع، ولقد كان مطروحا في السابق ولكن ازدادت خطورته الآن وذلك بناء على الأرقام الفلكية التي سجلتها بعض الجهات في الحجم الإجمالي للقروض الشخصية، وإن كانت هذه الأرقام متفاوتة من جهة إلى أخرى إلا أن الأرقام تضعها ما بين 120 إلى 160 مليار درهم وتعد الإمارات بناء على هذه الأرقام الأعلى في المنطقة.
أما عن أسباب تفاقم هذه الظاهرة فهي متداخلة فيما بينها مشكلة طبيعة النسيج الاجتماعي الذي يميز شعب الإمارات الذي يبحث في جزء منه عن مظاهر الترف والحياة الفاخرة ليتناسب وطبيعة تطور مجتمع الإمارات مادياً. فأذكر هنا مثلاً حديث صديقة ذكرت لي بأنه بات علينا في دبي أن نواكب التطور المادي السريع للإمارة فالشعب لا بد أن يتناسب ظاهرياً وشكليا مع مستوى دبي، الأمر الذي يدفع جزءاً من شرائح المجتمع للاقتراض من البنوك من أجل البحث عن الكماليات والحياة الفارهة.
وهناك فئة من الناس تبحث عن تحقيق الغنى وتكوين الثروات فتلجأ إلى الاقتراض من البنك لتحقيق مشاريع تجارية أو للمضاربة في الأسهم أو لاستثمارها في سوق العقارات؛ وهناك فئة من الناس مسحوقة وتبحث عن الحد المتوسط لحياة كريمة، حيث إن الراتب الشهري لا يكفي خاصة مع الغلاء المعيشي الذي بات كابوسا يخيم على المجتمع، فتلجأ إلى الديون إما لتوفير علاج أو لبناء منزل أو لتعليم أبنائها.
ما يهمنا الآن إننا بالفعل أمام كارثة اقتصادية اسمها القروض الشخصية، لماذا كارثة؟ لأن لها تداعيات كبيرة على المجتمع في جميع المجالات، وخاصة بالنسبة للفئة التي تقترض فوق معدل طاقتها المالية، ولأن الإمارات الأعلى في المنطقة في نسبة هذه القروض، ولأن 90% من أفراد المجتمع الإماراتي مدينون للبنوك، ويتعثر أغلبهم في السداد رغم أن الإمارات هي واحدة من أعلى الدول في متوسط الدخل الفردي.
فالمؤشرات تشير بالفعل إلى أن الموضوع يحتاج إلى وقفة جادة يتعاون فيها الجميع ابتداء من مؤسسات المجتمع المدني وصولاً إلى الدولة. فمؤسسات المجتمع المدني تقع عليها مسؤولية تحريك المياه الراكدة وذلك بتسليط الضوء على المشكلات التي يعاني منها المواطن بالدرجة الأولى، فهي في موضوع القروض إما أن تطلق حملات خيرية خاصة للمتضررين كالحملة التي أطلقها الرواق أو تعمل هذه المؤسسات على نشر مساوئ ثقافة الاستهلاك وتبصير المجتمع بمخاطر هذه الثقافة.
المجلس الوطني هو الآخر يتحمل جزءاً مهماً في هذا الموضوع باعتباره مؤسسة الشعب الأولى، لا بد أولاً أن يتحرر المجلس الوطني من الدوائر المغلقة التي يدور في فلكها، صحيح أن هناك لجانا تدرس هذا الموضوع، وهناك تنسيق بين المجلس والمصرف المركزي ولكن ليعلم المجلس أن دراسة الموضوع بهذه الطريقة المغلقة بدون أن تكون له وقائع ملموسة في المجتمع وبدون أن يتصل بالمجتمع بطريقة ما فلا فائدة من عمله.
يبقى دور الدولة كذلك مهم جداً في التعامل مع هذا الملف الخطير، فالدعوة هنا ليست بأن تقوم الدولة بإسقاط الديون عن المدينين ولكن المطلوب عملية تنظيم وترشيد لديون أولئك الأشخاص المسجونين بسبب عجزهم عن دفع الديون وأولئك الذين لا يسمح وضعهم المالي بالاستمرار في دفع ديونهم للبنوك.
فتستطيع الدولة مثلاً بأن تحدد مثل أولئك الأشخاص المتضررين في قائمة معينة وتقوم بشراء ديونهم من البنوك المختلفة ومن ثم تعيد جدولتها من جديد بحيث يقوم الشخص المدين بسداد دينه ولكن على فترات زمنية طويلة تكون مناسبة له وغير مضرة بوضعه المالي ومن دون أن تحسب الفوائد عليه.
إعادة جدولة الديون من قبل الدولة لبعض الديون المتضرر أفرادها منها أمر ضروري كي نخرج أبناءنا من دوامة خطيرة تهدد مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، ففي النهاية فإن المتضرر الأكبر من تضرر مثل أولئك الأشخاص هي الدولة التي يجب أن تحاول توفير بيئة سليمة لأبنائها وبناتها من أجل خلق مستقبل سليم لهذا الوطن الغالي.
كما أن الدولة يقع عليها مسؤولية العمل على عدم تفاقم المشكلة من جديد وذلك من خلال وضع قوانين صارمة تلتزم بها كافة البنوك والمؤسسات المالية في الدولة بحيث لا تمنح مثل هذه الجهات قروضاً إلا وفقاً لشروط يراعى فيها قدرة الشخص المالية وبحيث لا يشكل القرض مسؤولية على كاهل هذا الشخص.
هذه المشكلة لا يمكن أن تترك من دون أن تواجهها الدولة بقوة وحزم في تشريعاتها تجاه المؤسسات المالية. نعم تستطيع المؤسسات الأهلية في الدولة أن تعاون الدولة في هذا المجال من خلال انخراط اكبر عدد ممكن من مثل تلك المؤسسات في مشاريع شبيهة بمشروع الرواق لتكون مكملة لعمل الدولة في هذا المجال . لكن العمل الأكبر يقع على عاتق الدولة في تنظيم وترشيد مثل هذا الأمر.
وتحية من القلب للرواق مرة أخرى.
مركز زايد للتراث والتاريخ