تستحق زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التوقف عندها ولو بشكل سريع. فهي أول زيارة رسمية لرئيس أميركي لهذه الدولة.
فلم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة تمثل للولايات المتحدة الأميركية حتى وقت قريب سوى نقطة عبور سريعة أو ميناء شحن. وكانت العلاقات لا تتعدى اللقاءات الدبلوماسية الخفيفة - حيث كان الثقل مركزاً على مصر الذي انتقل من ثم إلى المملكة العربية السعودية ومن بعدها إلى قطر - إضافة إلى العلاقات التجارية والتي تقدر بمليارات الدولارات.
ربما شكلت مواقف دولة الإمارات العربية المتحدة الحيادية في كثير من المسائل السياسية وخاصة فيما يتعلق بالدفاع عن مصير الشعب الفلسطيني، عقبة صغيرة في طريق تطوير العلاقات إلى أكثر من هذا البعد.
فكثير من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية كانت تعتبر الدفاع عن (حقوق) الشعب الفلسطيني بمثابة الدفاع عن مجموعة من المقاتلين الذين يطالبون بما ليس لهم فيه حق وينوون القضاء على بني إسرائيل. وهذا كان يعكس سوء الفهم القائم بيننا وبينهم على مر السنين منذ حرب 6 أكتوبر 1973 وقرار المغفور له الشيخ زايد بوقف بيع النفط.
غير أن الأحداث التي عصفت بالمنطقة منذ غزو العراق وعدم جدوى استخدام السلاح في القضاء على المقاومة الداخلية هناك وحرب لبنان الأخيرة وعدم قدرة السلاح الإسرائيلي على هزيمة مقاومي حزب الله وأخيرا شبه المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران بسبب برنامجها النووي، كلها جعلت الأنظار تتجه إلى البحث عن سياسة أخرى غير سياسة القوة التي لم تثبت جدواها في كل من تلك المناطق الساخنة من الشرق الأوسط.
وقد لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيسها دوراً كبيراً كوسيط مسالم ليس له أعداء في أي مكان من العالم. وهي سياسة ناجحة مئة بالمئة. وقد جنبت هذه السياسة الدولة الكثير من الاضطرابات والمتاعب والهموم التي عانت منها عواصم أخرى في المنطقة.
فهل يعاد النظر الآن في مدى أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الدولة المسالمة مستقبلا لحل النزاعات الإقليمية القائمة؟ وهل زيارة الرئيس جورج بوش إلى الإمارات تسير في هذا الاتجاه تأكيدا على الثقل السياسي الذي يمكن أن تشكله هذه الدولة في التقريب ما بين وجهات النظر المختلفة؟ ربما.
وربما يشكل ذلك واحدة من بين مجموعة من الدوافع المختلفة والمتنوعة التي جعلت دولة الإمارات العربية المتحدة تصبح المحطة (الوسط) في زيارة الرئيس بوش. فوجهة الرئيس الأميركي بدأت في إسرائيل ومن ثم الضفة الغربية والكويت والبحرين ومن ثم اليوم في الإمارات، لتكمل مشوارها نحو بعد ذلك نحو السعودية ومصر وربما تنتهي في العراق بشكل سري.
لقد مر الجمهوريون في ولاية بوش الثانية بأزمات عدة ممتدة منذ غزو العراق؛ أزمات شعبية، سياسية، عسكرية واقتصادية وحتى اجتماعية. وكلها أزمات خطيرة يصعب حلها أو ربما لا يوجد لها حل فعليا إلا من خلال التنازلات العديدة التي يصعب على رجالات البيت الأبيض أن يقدموها للخروج منها بشكل يحفظ لهم ماء الوجه.
فكيف يمكن الجلوس مع رؤوس تنظيم القاعدة على طاولة واحدة للتوصل إلى هدنة في العراق وفي أفغانستان وفي كل مكان وصلت إليه شبكاتها المتكاثرة في العالم؟
وكيف يمكن الحوار مع رئيس جمهورية إسلامي مثل أحمدي نجاد الذي يدعو إلى إزالة قواعد الكيان الإسرائيلي من تحت الأرض لكي يطلب منه الاستسلام فيما يخص برنامج إيران النووي والاعتراف بإسرائيل أو قطع العلاقات مع سوريا وإيقاف دعمه لحزب الله وعدم التدخل في شؤون المنطقة التي تنام على بحر من النفط الخام؟
وكيف يجوز لها أن تتنازل وتترجى مباركة رئيس حزب إسلامي شيعي على شاكلة السيد حسن نصر الله لحل أزمة الرئاسة في لبنان والتخلي عن سلاح المقاومة والاعتراف بإسرائيل؟ وكيف يمكن للبيت الأبيض في مواجهة اللوبي الصهيوني أن يعترف بنتائج انتخابات ديمقراطية نزيهة مئة بالمئة أوصلت حماس إلى سدة الحكم في فلسطين؟ بل كيف يمكن التحاور مع زعماء هذه الحركة الذين تتهمهم أميركا بالإرهاب؟
هذا بينما تعاني شعبية الجمهوريين اختلالاً كبيراً وهم على أعتاب انتخابات رئاسية شرسة في نهاية هذا العام؟ هذا بينما الاقتصاد الأميركي يترنح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية هناك وتكاليف الحرب في العراق؟
صحيح أن دولة الإمارات العربية المتحدة ليست تلك الجهة التي بيدها حل لمشاكل الجمهوريين هناك، ولكنها على الأقل تستطيع المساهمة بشكل ما في دفع عجلة الحوار بين الخصوم، بالخصوص فيما يتعلق بالاستفادة القصوى من سياسة الحياد التي تنتهجها دولة الإمارات العربية المتحدة بين جميع الأطراف في المنطقة.
فهي تستطيع أكثر من غيرها أن تلعب دور الوسيط الذي يمكن الاستماع إليه والاطمئنان إلى وجهات نظره وآرائه. فهل ستلعب دولة الإمارات العربية المتحدة هذه المرة دوراً كبيراً في إحلال السلام في المنطقة؟ لم لا؟
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أصبح اسم دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم على كل لسان بفضل نموها الاقتصادي والعمراني والسياحي الذي لم تشهد أي دولة في الشرق الأوسط مثيلا له، وأصبحت محل إقامة العديد من أثرياء العالم ومشاهيره حيث وجدوا فيها مكانا آمنا ومستقرا.
فمن منا لم يسمع بقصر الإمارات وبمتحف اللوفر في أبوظبي، وببرج العرب وجزيرة النخلة في دبي، وبقصر الثقافة والجامعة الأميركية في الشارقة؟
وبشمس وجبال وشواطئ المناطق الشرقية؟ لقد أصبح الحديث عن دولة الإمارات على كل لسان. ومساهماتها الناجحة في شراء الشركات العالمية وخاصة تلك المتعلقة بالموانئ جذبت انتباه العديد من خبراء الاقتصاد الأميركيين للدعوة للاستثمار والاستئثار بحصة الأسد في هذه الدولة الناهضة.
هذا التطور العمراني والاقتصادي والسياحي والثقافي للدولة جذب منذ فترة قصيرة أنظار ورغبات وأسال لعاب العديد من الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا.
وحيث ان المنطقة برمتها تعتبر من وجهة نظر الساسة الأميركيين منطقة تقع في نطاق المصالح الأميركية، وهي دول تشكل حليفا قديما لها منذ خروج البريطانيين منها، فإن ازدياد الاهتمام بها من الخارج خاصة بعد انشغال الولايات المتحدة بحروبها المختلفة في أفغانستان والعراق ولبنان والسودان والصومال، دفع العديد من المحللين السياسيين والاقتصاديين إلى أن يدقوا ناقوس الخطر بأن هذه المناطق المليئة بالنفط وبالمصالح الاقتصادية والاستثمارية على وشك أن تتسرب من بين يدي الولايات المتحدة الأميركية بشكل غير ملحوظ! وتجيء زيارة الرئيس بوش للتأكيد على أهميتها للولايات المتحدة وعدم التفريط فيها وإبعاد كل من يحاول أن يمس بمصالحها فيها ولتعيد الحرارة من جديد إلى تلك العلاقات التي شابها الفتور في السنوات الأخيرة، والتي وصلت حتى إلى درجة التفكير في فك ارتباط عملة الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي.
إن المنطقة بأسرها شاءت أم أبت ولظروف مساحتها الجغرافية وإمكانياتها العسكرية والبشرية لا بد أن يكون لها حليف قوي ودائم، في عصر اتسم بالتكتلات الكبرى والعملاقة. فإن ضعف الاهتمام الأميركي فهناك الاهتمام الفرنسي الذي ينتظر الفرصة المناسبة، وإن ضعف الاهتمام الفرنسي فهناك الاهتمام الإيراني الذي بدأ واضحا منذ السنة الماضية، وإن ضعفت هذه فهناك الصين والهند.... وبالتالي ليس من السهل على الولايات المتحدة أن تتفرج على هذا الجزء المهم من العالم يقع في يد منافسيها أو أعدائها.
الانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب، وقد خسر الحزب الجمهوري بسبب سياسة الحرب التي انتهجها في المنطقة الكثير من المقاعد خلال الفترة الرئاسية الثانية لجورج بوش، وهو يتوقع خسائر أكثر فداحة إن لم يتدارك الأمر قبل فوات الأوان، ويعيل كثير منهم على أن تصبح هذه الزيارة للمنطقة دافعا إلى كسب بعض الأصوات الميئوس منها.
إن الرأي العام الأميركي يعتمد كثيرا على وسائل الإعلام وطريقة العرض والصور المؤثرة والقرارات الجريئة. هذا ما يقوله الأميركيون عن أنفسهم.
إلا أننا نتطلع من هذه الزيارة أن تكون بادرة إلى النظر إلى السياسة الموضوعية التي تنتهجها دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل دائم في معالجة القضايا الشائكة، بعيدا عن التعصب أيا كان نوعه ودوافعه وبعيدا عن استخدام العنف أيا كان شكله وأيا كان سلاحه.
جامعة الإمارات