كنت قبل عدة أيام أتحدث مع مجموعة من أصحاب الخبرة في المجال السياسي عن الانتخابات الأميركية، وفي الحقيقة فإنني لم أتحدث كثيراً في تلك الجلسة لأنني لست من محبي السياسة، فسأل أحدهم - وهو أميركي مسلم من أصل هندي - عما إذا كان الناس في الخليج يهتمون بهذا الشأن، فكانت معظم الإجابات تميل إلى الإيجاب.
فقلت له: «هناك نوعان من الناس هنا، جيل آبائنا وجيلنا نحن الشباب. جيل الآباء يهتم بالانتخابات جداً وكأنهم سيشاركون بأصواتهم فيها، وأظن أن ما يشعل لهيب حماسهم هو الإعلام العربي الذي يبحث عن أي شيء ليقيم له عرساً مجيداً حتى يكسب المزيد من المشاهدين. أما جيل الشباب فلا أظنه يهتم كثيراً بهذه الانتخابات،
فأياً يكن الشخص المنتخب فإن سياسته الخارجية لن تختلف كثيراً عن سابقيه، من ناحية ثانية أظن أننا نحن الشباب ـ وليعذرني الشباب لأنني تحدثت باسمهم جميعاً ـ نظن بأنه من العيب أن نترقب الرئيس الأميركي على أحر من الجمر ليأتي ويغير لنا العالم من حولنا إلى الأفضل، فمصيرنا بأيدينا وليس بيد الرئيس الأميركي، الذي على الرغم من أنه يحكم العالم إلا أننا نرفض قطعاً أن يحكم حياتنا، وإيماننا بهذه الفكرة فقط هو ما سيحررنا من تبعيتنا للغرب».
ثم حكى لنا السائل أنه عندما كان صغيراً في الهند قام طبّاخهم بوضع ابنته الصغيرة في إحدى المدارس الحديثة آنذاك التي تتجاوز مصاريفها راتبه الشهري بكثير، إلا أنه كان موقناً بأنه سيتمكن من الحصول على المال بطريقة ما،
وعندما سأله رب البيت عن سبب قيامه بذلك العمل رد عليه: «لأن التعليم الجيد سيضمن لابنتي حياة كريمة لم أستطع أن أوفرها لها»، فقام رب الأسرة بالتكفل بمصاريف ابنة الطباخ حتى تخرجت من الجامعة.
لقد أيقن الهنود أن سبيلهم الوحيد للقضاء على الفقر هو ليس التعلم فقط، ولكن السعي للحصول على المعرفة بشتى أنواعها. فعندما كنت عضواً في إحدى الجمعيات العالمية في مجال الخطابة ومهارات التواصل كان معظم أعضاء الجمعية من الهنود، بل إننا تفاجأنا مرة عندما حضر إحدى الدورات التدريبية هندي
وطلب أن ينخرط في عضوية الجمعية التي كانت تبلغ تكلفتها ألف درهم تقريباً، وعندما طلبنا منه أن يعرف بنفسه أمام الحضور قال بأنه يعمل سائقاً في إحدى شركات بطاقات الائتمان. فقلت له بأن مبلغ الاشتراك قد يساوي راتب شهر كامل بالنسبة له
فقال لي: «نعم إنه كذلك ولكنني أعتبره استثماراً سيقودني بالتأكيد إلى وظيفة أفضل من وظيفة السائق». لذلك تجد الهنود يتخطون عقبة كل يوم بل قل كل ساعة لأنهم أيقنوا بأن أمامهم تحديا كبيرا واكتشفوا ـ من خلال التجربة ـ أنهم استطاعوا أن يحققوا تقدماً تنموياً على مستوى العالم وليس المنطقة فقط.
تتميّز الأجيال الناشئة في المنطقة بشكل عام وفي الخليج بشكل خاص بروح التمرّد والتحدي، وعلى الرغم مما يشوب هذا التمرد من سلبيات إلا أن إيجابياته على المدى البعيد قد تكون أفضل بكثير من سلبياته الآنية، وهو أمر يكاد أن يكون مفقوداً في الأجيال التي سبقتها،
فعندما كانت أميركا وروسيا تتنافسان على غزو البحار بغواصاتها النووية كان أباؤنا يغوصون للبحث عن اللؤلؤ، وعندما كانوا يتسابقون في الفضاء كان الأجداد يلهثون وراء مواشيهم على رمال الصحراء القاحلة. لقد كان الأجداد يظنون بأنهم يسافرون إلى المجهول لتحقيق المستحيل
بينما كان جلّ ما قاموا به هو تأمين لقمة العيش التي كانت في كثير من الأحيان لا تكفي قوت أيام معدودة. وقد يقولون ان الظروف كانت أقوى منهم، إلا أننا نرد بأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء التفكير في البدء بعمل جاد يمكن الأجيال التي تلتهم من البداية من نصف الطريق لا من أوّله كما حصل.
عندما أتحدث إلى أصدقائي عن تأخّر الأجداد في تحقيق نهضتنا يرفضون مشاركتي الحديث وكأنني أنتقد نصاً مقدساً، وعندما أقول لهم بأنه لا يحق لأجدادنا أن يجعلوا من الاستعمار شماعة لتعليق تقهقرهم عليها لا أجد آذاناً صاغية إلا من البعض.
لقد كانت مصر على سبيل المثال تحت الاستعمار الإنجليزي إلا أنها أنتجت لآلئ الأدب العربي، وزخرت أرضها بنجوم الفكر وكواكب الشعر في التاريخ العربي الحديث. وعندما كانت سنغافورة تحت الاحتلال الانجليزي أيضاً كانت بها مدارس راقية ومعاهد مرموقة،
ككلية الملك إدوارد السابع الطبية وكلية رافلز لتدريس الآداب والعلوم، فلماذا عندما كان أجدادنا تحت وطئة الاستعمار ـ الذي لم يكن وحشياً هنا مثلما كان في مصر ـ لم يحققوا شيئاً مما حققته هذه الدول؟ ولماذا لم يكن إنتاجهم الفكري البسيط يحمل أحلاماً أو طموحات في هذا السبيل؟
لم يكتفِ الأجداد بهذا التقاعس، بل حمّلونا هموم الهزائم الجسدية والنفسية التي تعرّضوا لها خلال القرن المنصرم، وجعلوا قلوبنا تدمى لتلك الهزائم المتكررة دون أن يكون لنا ذنب فيها؟ أضف إلى ذلك أنهم زرعوا فينا فضولاً سياسياً جعلنا ندور في دوائر مفرغة وأرغمونا
على الحديث فيها ليل نهار دون أن نمارسها! إن الناخب الغربي يمارس السياسة كل أربع أو ست سنوات مرة واحدة من خلال الانتخاب ثم يعود أدراجه ليعمل ويكتب ويدرّس ويعطي ويساهم في التنمية، فمن منا أولى بأن يكون تلفازه مثبّت على القنوات السياسية طوال أيام الانتخابات؟
وعلى الرغم من وجود بعض المحاولات التنموية الوضاءة في المنطقة قديماً إلا أننا لا يمكن أن نسميها تجارب بالمعنى الحقيقي فهي تفتقر إلى مقومات التجارب الإنسانية، فلقد كانت محاولات فردية لم تحدث حراكاً اجتماعياً أو فكرياً أو اقتصادياً حتى تشفع لأصحابها لدى الأجيال القادمة.
التقيت مؤخراً بمجموعة من العلماء العرب وأصحاب المبادرات البناءة في الوطن العربي، وكان معظم الذين قابلتهم قد أفنى حياته في مشروع ما ولم يستطع أن يجعل من مشروعه (المتميز) مشروعاً حقيقياً لأنه يفتقر إلى التمويل على حد تعبيرهم!
فقلت في نفسي بأن هذه المشاريع تفتقر إلى الروح التنموية والإصرار على تحدي المستحيل وتخطي العقبات قبل أن تفتقر إلى التمويل، وهذه في اعتقادي إحدى الأسباب الرئيسية التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.
في نهاية حديثي مع السائل الأميركي قلت له بأنني عندما أوشكت الانتخابات الأميركية الأخيرة على الانتهاء كنت أقلّب قنوات التلفاز، وعندما توقفت عند إحدى القنوات الإخبارية سمعت المذيع يعلن بكل حماسة وسرور عن اسم الرئيس الأميركي المنتخب فضغطت على زر تبديل القنوات وسألت زوجتي: «أين قناة الأفلام؟».
كاتب إماراتي