إلا ما ندر فإن معظم المراقبين والمحللين، لا يعلقون الآمال التي يعلقها الرئيس الأميركي جورج بوش على الجولة الهامة التي يقوم بها منذ يوم الأربعاء الماضي إلى المنطقة مبتدئاً بإسرائيل والمناطق الفلسطينية المحتلة.

وحتى أن المتفائلين بإمكانية أن تحقق الزيارة أهدافها في دفع العملية السلمية، وطمأنة الدول المعتدلة خصوصاً دول الخليج العربي إزاء الخطر المتوقع من إيران بحسب هؤلاء، تجدهم مضطرين للسعي وراء العمومية، والإنشائية، وتفتقر تحليلاتهم وتوقعاتهم إلى قوة الاعتماد على المعطيات والبراهين المقنعة.

تحدث بوش قبل وصوله إلى المنطقة عن فرصة للتوقيع على اتفاقية سلام شاملة قبل نهاية ولايته وبثقة أكبر عن أن الدولة الفلسطينية ستقام ويتحدد شكلها خلال العام الحالي 2008، وذلك تفاؤل مفرط بالنظر لحجم وطبيعة العوامل والوقائع والسياسات التي تعاند بقوة مثل هذا التفاؤل.

حين نفحص أول هذه العوامل بداية بالسياسة الأميركية ذاتها التي تعتمدها إدارة بوش إزاء مرجعيات وأهداف الحل السياسي الذي تقف خلفه وتدعمه، فإننا سنجد أن هذه السياسة تنطوي في مضامينها على كل إمكانيات نسف العملية السياسية من أساسها.

يرتكز الموقف الأميركي إزاء الحل في جوهره على ما تضمنته ورقة الضمانات التي قدمها الرئيس بوش لشارون في 14/ 4/ 2004، وكرر بوش في أنابوليس وقبل ذلك مراراً ما جاء فيها، تتضمن تلك الوثيقة موقفاً أميركياً يسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بالكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، التي تشكل من وجهة نظره تغييراً في الواقع لابد من أخذه في الاعتبار.

وتتضمن الوثيقة أيضاً موقفاً مسبقاً إزاء رفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، لابحسب قرار الأمم المتحدة رقم 194، ولا بحسب أي مرجعية أخرى، ويتبنى بوش الذرائع الإسرائيلية بشأن رفض تنفيذ هذا الحق.

ويتعزز المنطق الأميركي برفض حق العودة، من خلال المضمون الذي يقدمه بوش لرؤية الدولتين، فالفلسطينيون عليهم أن يعترفوا بقيام دولة يهودية مقابل دولة للشعب الفلسطيني وتلك أخطر ما تنطوي عليه السياسة الأميركية حيال مستقبل الحل السياسي في المنطقة.

معنى ذلك أن قيام الدولة الفلسطينية التي عليها أن تستوعب اللاجئين الفلسطينيين بما في ذلك المليون وربع مليون فلسطيني الذين لم يغادروا أرضهم وهم مواطنون في دولة إسرائيل التي يحق لها أن تدفعهم نحو دولتهم الفلسطينية، نقول إن قيام هذه الدولة مرهون بحق إسرائيل في إقامة دولة يهودية خالصة، وهو أمر يستحيل على أي فلسطيني أن يقبل به.

أما عن القدس فوثيقة الضمانات الأميركية لشارون لا تعتمد الموقف الأممي الذي يعتبر القدس مدينة محتلة لا شرعية لأي إجراءات إسرائيلية تسعى لتغيير طابعها. إذا كان هذا هو جوهر الموقف الأميركي حيال قضايا الحل الدائم، فإن علينا أن نتوقع بأن يكون اتجاه الضغط والعمل نحو الفلسطينيين الذين يحملون رؤية مخالفة تماماً،

فيما تتطابق رؤية بوش مع الرؤية الإسرائيلية للحل. وبناءً لذلك جاء موقف بوش مثلاً من الإعلانات الإسرائيلية الأخيرة والمتكررة عن معاودة البناء في مستوطنة أبو غنيم في القدس، وفي محيطها، لا يتجه نحو إدانة الاستيطان القائم بقدر ما أنه يتحدث عن التوسع الاستيطاني كعقبة أمام المفاوضات،

وحتى لا يفسر كلامه بما يزعج الحكومة الإسرائيلية فإنه يطالب بتفكيك المستوطنات العشوائية، وهو أمر لايخرج عن حدود ما تقبل به حكومة أولمرت. على أن الأميركيين يعرفون كما يعرف الإسرائيليون أن النشاطات الاستيطانية التي تقوم بها إسرائيل أخطر بكثير مما يتم الإعلان عنه،

وإلا لما كانت حكومة أولمرت منعت نشر تقرير عن الاستيطان صادر عن حركة السلام الآن الإسرائيلية، وذلك بدواعي أنه يلحق ضرراً بالأمن الاستراتيجي وبعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة، وذلك حسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية اليومية.

وفق هذه القراءة للمعطيات، لا نستغرب أبداً تجاهل الإدارة الأميركية للتعطيل الذي وقع على مسار التفاوض الفلسطيني- الإسرائيلي لمدة تقرب من شهرين منذ انعقاد مؤتمر أنابوليس، وكان بوسع الإدارة الأميركية أن تقوم بتدخل فاعل حتى بدون الحاجة لزيارات مباشرة يقوم بها مسؤول أميركي من مستوى وزيرة الخارجية أو الرئيس.

أما الحديث عن ثاني هذه العوامل وهو إسرائيل فإن الوقائع أبلغ وأكثر إقناعاً من أية طريقة أخرى. يقول أولمرت عشية وصول الرئيس بوش لإسرائيل، إن الظرف الدولي مناسب جداً لإسرائيل ويقدم لها فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين،

ويقصد أولمرت بالتأكيد أن تطابق السياسات والمواقف بين إسرائيل والولايات المتحدة، يسمح لها في ظل ضعف وانقسام الفلسطينيين بأن تحقق إسرائيل كل ما تحلم بتحقيقه ويحقق رؤيتها للسلام ومصالحها.

تعتقد إسرائيل أن بإمكانها التصرف حيال الفلسطينيين ولابتزاز المزيد من التنازلات وهي محمية الظهر بموقف أميركي يسايرها حتى النهاية، ولا يضطر أولمرت الذي يقود تحالفاً يضج بالتناقضات الصعبة والمواقف المتطرفة، لأن يجازف بتحالفه الحكومي طالما أن ما هو مطلوب من إسرائيل لا يتجاوز الحد الأدنى الذي يقبل به أكثر وزرائه تطرفاً وهو افيغدور ليبرمان زعيم حركة «إسرائيل بيتنا».

هذه الحماية وفرت لأولمرت الدوافع الكافية لتصعيد المجابهة مع الفلسطينيين على خطى البناء الاستيطاني الذي يستهدف تسمين المستوطنات القائمة، والتصعيد العسكري الأمني سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية،

فلقد باشرت إسرائيل هذا التصعيد مباشرة بعد أنابوليس، دون أن تعير اهتماماً لأية انتقادات صدرت عن الكثير من العواصم إلا عن واشنطن، وتعمدت رفع مستوى التصعيد خلال الأيام التي سبقت زيارة بوش الذي لم يبد أي شعور بالحرج أو القلق إزاء الطريقة الإسرائيلية في استقباله.

وإذا كان لدى إسرائيل ما تبرر به تصعيدها على قطاع غزة، بما في ذلك تنفيذ قرارها فعلياً بتقنين عملية تمويل القطاع بالوقود، فإن عدوانها على نابلس التي اجتاحتها لثلاثة أيام، ينطوي على دلالة تتصل برغبة إسرائيلية في تعطيل الخطة الأمنية التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية وبدأت بتطبيقها في نابلس المدينة الفلسطينية الأكثر معاناةً من الفلتان الأمني في الضفة الغربية،

وكل ذلك بهدف تعطيل قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها حسب خارطة الطريق. من الواضح أن إسرائيل لا يروق لها الادعاء الفلسطيني بأن السلطة قد نجحت في تنفيذ معظم الالتزامات المترتبة عليها في خارطة الطريق، ذلك لأن إسرائيل كما يقول أولمرت «لن تكون قادرة على الوفاء بكل التزامات خارطة الطريق بخصوص الاستيطان».

في شرحها لهذا التكتيك الإسرائيلي، الذي يعتمد مواصلة التفاوض ومواصلة العدوان والبناء الاستيطاني، تقول وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، خلال زيارة قامت بها لإحدى المستوطنات في الضفة يوم الاثنين الماضي، «إن إسرائيل لا تنوي إلقاء المفتاح إلى الطرف الثاني في نهاية العملية السياسية

ولذلك فإن المطلوب بشكل متواز منذ الآن العمل على تغيير الوضع على الأرض ومواصلة الحرب على الإرهاب وبناء مؤسسات أمن فعالة في الجانب الفلسطيني لكي تكون العنوان السلطوي الفعال على الأرض، والتي يمكن التوصل معها إلى اتفاقات».

العدوان الإسرائيلي حسب ليفني، يعني أن إسرائيل ستدمر كل إمكانيات المقاومة وأنها تسعى لإقامة سلطة على مقاسها في الضفة الغربية تشكل ضمانة لأمنها هي وليس لأمن الفلسطينيين. وإذا كانت السياسة التي يحملها بوش متطابقة مع سياسة حليفه أولمرت،

حيث المطلوب دولة يهودية بما في ذلك المستوطنات وبدون عودة اللاجئين وحتى بدون الفلسطينيين الموجودين في إسرائيل، مقابل دولة تقيمها إسرائيل للفلسطينيين في الضفة الغربية، فإن حال الفلسطينيين لا يمكن أن يجاري أو حتى يداني هذا الطرح، خصوصاً في ظل سيطرة حركة حماس في غزة، والتي ترفض كل هذا المجرى.

بوش إذاً قادم في زيارة لإسرائيل والأراضي الفلسطينية، لا تتمتع بأي بعد تاريخي إلا لكونها الأولى منذ توليه الرئاسة، ومن غير المرجح أن يصدر عنها أكثر من وعود غير قابلة للتنفيذ، وربما بعض الإجراءات ذات الطبيعة الأمنية التي يمكن أن تتخذها إسرائيل مؤقتاً لمجاملة رئيس أكبر دولة في العالم، أما فيما يتصل بجوهر القضايا، فإن زيارة بوش لن تفضي إلا إلى نتائج بوش.

كاتب فلسطيني