قبل ثلاثة أسابيع كتبت في هذا المكان أن لبنان مرآة صادقة للعالم العربي تتجلى فيها قوته، بنفس القدر الذي تظهر على سطحها نقاط خلله وضعفه، ويبدو أن البلدان العربية التي غابت أو جرى تغييبها عن الأزمة التي تجلت في العجز عن عقد جلسة نيابية لانتخاب رئيس للبنان، قد أدركت أن الوضع في ذلك البلد العربي الذي يحتل موقعا مهما في الجسد العربي يوشك أن يصل إلى حافة هاوية، فالمبادرة الفرنسية التي جرت بالتنسيق مع دمشق جرى إفشالها.
وبدأت العداوة بين دمشق وباريس تضع العصي في الدواليب وتفسح الطريق أمام تدخل أميركي غشوم يعقد الأزمة ويصب الزيت على نار لم تزل تحت السيطرة، كما بدأت أطراف لبنانية تستعد لأسوأ الاحتمالات، وحتى المواطن اللبناني العادي بدأ يقبل على شراء الأسلحة حتى لا يصبح فريسة سهلة إذا مانشب اقتتال داخلي لا سمح الله.
في هذا الجو تداعى العرب إلى اجتماع استثنائي لوزراء الخارجية وبدوا كما أنهم يسابقون الزمن ويحاولون استباق الضغوط التي تصاحب مثل هذه الاجتماعات، إلى حد أن جلسة تمهيدية تشاورية تحولت مساء السبت الماضي إلى جلسة رسمية أنهت ما كان يفترض أن يتم في اليوم التالي، ربما لقطع الطريق على الأطراف الخارجية حتى لا تحضر وسوساتها، وتفسد القرار العربي بتبني خطة متكاملة لحل الأزمة.
بالطبع لا يريد المرء أن يغرق في تفاؤل قد تقضي عليه تعقيدات الأزمة، لكن القرار العربي يمثل خطوة كبيرة باتجاه الحل، تكتمل بالجهد الدبلوماسي الذي تم تكليف عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية به، اتصال مع أطراف الأزمة وحلحلة للمشاكل الصغيرة التي تظهر هنا أو هناك.
أو تطمين لبعض الأطراف التي قد تتخوف من أن تأتي هذه التسوية على غير ما كانت تطمح إليه، لكن النجاح العربي في نقل الخطة من إطارها النظري إلى أرض الواقع سيمثل دون شك انتصارا لكل الأطراف اللبنانية، وللجامعة العربية التي غابت لحين من الدهر عن تحقيق أي اختراقات.
من منظور آخر يبدو القرار العربي نوعا من التململ على إرادة أطراف دولية تحاول ـ سواء بقصد أو بسوء تصرف ـ إبقاء الأزمات العربية مشتعلة، وكف يد المخلصين من أبناء الأمة عن محاصرة الحرائق في مهدها.. فالذي يدفع الثمن في الغالب ليس الغرب الذي يحيك المؤامرات، وإنما العرب الذين يتطوعون من تلقاء أنفسهم، أو يطلب منهم أن يتدخلوا، بعد انتهاء كل أزمة ليعيدوا بناء ما دمرته الحروب، وإن كانت حروبا بالوكالة على أرض عربية.
مثل هذا التململ عبرت عنه القاهرة قبل نحو أسبوع عندما سمحت لحجاج غزة بالعبور من خلال منفذ رفح البري بعد أن أحست تعنتا إسرائيليا ومساندة أميركية عمياء لمطالب تجعل مصر في خانة المتهمة في إبائها وشهامة أبنائها أو البلد الذي يعطي معاهدة عابرة مع إسرائيل أولوية على انتماء قومي وروابط تاريخية عمرها آلاف السنين، فكان أن اختارت الروابط الأزلية غير عابئة بالضغوط ولا مستجيبة لابتزاز واشنطن وتل أبيب.
العالم العربي بحاجة إلى تكرار مثل هذا التململ الإيجابي الذي يعيد بعض الهيبة الضائعة، ويبعث برسائل تجعل الغرب يقلع عن اعتبارنا أمة شبه ميتة تستجيب لما يفرض عليها، وترفع الرايات البيض أمام كل حافر يعلو في وجهها، نحن في حاجة ملحة إلى اجتماع استثنائي آخر يضع قواعد للعبة بين حركتي فتح وحماس ويمنع أيا من الحركتين بالاستفراد بالقرار الفلسطيني سلما أو حربا.
فالسلام والحرب يمكن كسب أي منهما إذا لملم الفلسطينيون قواهم ولم يبددوها في صراع عبثي ثنائي بين أبناء الشعب الواحد والمصير المشترك، لكن الرهان على وعود دولية في اللهاث وراء تسويات مريبة، أو قيام فصيل منفرد بحمل صخرة سيزيف والتغني ببطولات الشهداء الذين يرحلون كل يوم دون أن يتحرر شبر من الأرض، هو نوع من العبثية.
فالمفاوضات تحولت من مغامرة (كان ينبغي تجريبها مرة واحدة والعودة إلى طريق المقاومة حال فشلها) إلى نوع من الإدمان، وباتت كأنها غاية بحد ذاتها. والقتال الذي كان يفترض أن يكون محسوبا وممنهجا بحيث يرهق العدو ويجعل لاحتلاله ثمنا لأي قدر عليه فيرحل، تحول من خطط تقوم على المبادرة والمباغتة إلى نوع من ردات الفعل تفرض إسرائيل زمانه ومكانه.
وتنتقي شخوصه لتفاجئهم قذائفها وصواريخها وهم في غرف النوم أو وهم يسيرون في الشوارع آمنين مصدقين أن الاحتلال رحل، فيما ظل باقيا بعملائه وجواسيسه وبطائراته التي تجوب الأجواء وسفنه التي تحاصر الشواطئ.
صراع فتح وحماس يحتاج اجتماعا وزاريا استئنائيا وكذلك سجن غزة الكبير حيث مليون وخمسمئة ألف فلسطيني رهينة لسادية إسرائيل وسادية الأطراف الغربية التي تساندها أو التي تتواطأ على أفعالها بغض الطرف عنها.
إذا نجحت التجربة اللبنانية فقد يكون ذلك دافعا للعرب كي يجربوا عضلاتهم في حل أزمات أخرى.. وما أكثر أزماتنا العربية.