يوم 23 /12/ 2007 وافقت الحكومة الأمنية الإسرائيلية المصغرة على تطوير وإنتاج نظام تسلح، قادر بزعمها على التصدي للصواريخ القصيرة المدى خلال تحليقها،على شاكلة تلك التي تطلقها الفصائل الفلسطينية من قطاع غزة باتجاه البلدات الإسرائيلية المتاخمة.
وقيل في معرض تبرير هذا القرار، الذي سيكلف الميزانية العسكرية الإسرائيلية نحو 210 ملايين دولار، بأن النظام الدفاعي موضع الاهتمام سيكون فاعلاً في شل صواريخ حزب الله التي أثبتت كفاءتها خلال الحرب على الحزب ولبنان في صيف 2006. ويأمل المسؤولون العسكريون الإسرائيليون في دخول هذا النظام حيز الجهوزية الميدانية خلال عامين.
بعد يوم واحد من نشر هذا الخبر الذي بثته إذاعة الجيش الإسرائيلي، أوردت صحيفة معاريف أن الأوساط العسكرية الإسرائيلية، تبدي قلقاً واسعاً من حصول حركة حماس على وسائل قتالية تعطل فاعلية الدبابة ميركافا، أحد مفاخر الصناعة الحربية والقوات البرية في إسرائيل.
وقد نسبت الصحيفة هذا القلق إلى سابقة حزب الله أيضاً عام 2006 الذي أبلى بلاءاً حسناً ضد الميركافا بالوسائل التي يعتقد أن حماس تسعى إليها في الوقت الراهن.
في التوقيت ذاته، كانت الدبلوماسية الإسرائيلية تجري مباحثات سرية، تهدف إلى إثناء واشنطن عن الأخذ بنصيحة تقرير الاستخبارات الأميركية الذي برأ البرنامج النووي الإيراني من المضامين العسكرية. كما كان اللوبي الصهيوني يقلب كل حجر أميركي لإقناع إدارة جورج بوش الابن بإلقاء هذا التقرير ظهرياً والاستمرار في حملتها على طهران بكل الأساليب دون استثناء الخيار العسكري ..
هذا وإلا كان على إسرائيل أن تتولى التعامل مع هذا «الخطر» وحدها. وهو تلميح يمثل في حد ذاته أحد أنماط استفزاز هذه الإدارة للعكوف على خطابها الإيراني المحموم .
بالتزامن والتوازي مع هذه الوقائع عرفنا أن إسرائيل استقبلت من اليهود الإيرانيين الذين آثرو «الهجرة» إليها عبر محطات ثالثة في النمسا وتركيا. كذلك علمنا أن حكومة إيهود أولمرت أقرت استئناف عمليات بناء المستوطنات في بعض أنحاء الضفة الفلسطينية، لاسيما في محيط القدس، غير عابئة بالغضب والاحتجاج الفلسطيني ولا بالملاحظات والاستفسارات «المائعة» الأميركية بخصوص تأثير هذا التوجه على مفاوضات ما بعد لقاء أنابوليس.
السؤال الآن: ما نوعية الدولة التي تعتمل فيها وتتلاقى هذه المشاهد شبه المتناقضة؟..
فهناك من جهة، مشهد المجمع الصناعي العسكري وهو يستجمع طاقاته وقدراته، كي يدرأ خطر تطورات نوعية تبدو فوارة على صعيد التسلح ومواجهة تفوق الجيش الإسرائيلي بين يدي قوى المقاومة الفلسطينية تحت الجلد والمقاومة اللبنانية على مرمى النظر والحجر.
وهناك من جهة ثانية، مشهد الدبلوماسية الإسرائيلية ومحازبيها في الرحاب السياسية والمدنية الأميركية (والأوروبية)، وهي تمارس أذكى وأقوى ما عندها من تدابير دعائية وإعلامية لتحريض صناع القرار ضد خطر إيراني متصور في المجال الإقليمي الأوسع.
والإسرائيليون لا يقيمون في هذا السياق وزناً لما يقال عن الكوارث التي ستنشأ عن نجاحهم في إشعال معركة على إيران، كما أنهم يشككون في صدقية ستة عشر جهازا استخباريا أميركيا في سبيل توظيف القوة الأميركية لحمايتهم.
ومن جهة ثالثة، لدنيا مشهد يظهر غبطة إسرائيل واحتفاءها بالمدد البشري الذي يزودها به أربعون شخصاً لا غير وفدوا إليها خلسة من إيران. ومشهد آخر رابع يبدو فيه الإسرائيليون وهم يخوضون بجرافاتهم ومعاولهم في تضاعيف الأرض الفلسطينية المحتلة، وبخاصة مناطقها الأكثر إيثاراً لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين (القدس وضواحيها).
ذلك كله على الرغم من الأحاديث المتداولة بكرة وعشياً عن التفاوض السلمي بحثاً عن حل فلسطيني نهائي في غضون عام لا أكثر.
نحن إزاء دولة قلقة ومتوجسة من صواريخ تهدد مجالها الجغرافي وتقض مضاجع سكانها وأمنهم، ومن أسلحة تخترق دروعها، ومن مشروعات وبرامج نووية تعود لقوى لا تعترف بوجودها ولا تستسيغه، ومن بطن سكاني رخو إزاء تكاثر فلسطيني متواتر..
لكن هذه الدولة معروض عليها أيضاً أكثر من بديل للسلام والتسوية، بما يمكنها من تحقيق الاطمئنان على حاضرها ومستقبلها ويمنحها المشروعية القانونية ويطبع حياتها وعلاقاتها مع المحيطين الفلسطيني والعربي.
وهذا يعني أن أمام إسرائيل خيارات مأمونة بقوة الشرعية الدولية وتضامن الحلفاء الأقوياء وضماناتهم، تستطيع أن تتخلص بها من مصادر القلق المتعددة والمزمنة والمتجددة بمرور الوقت.
غير أن إسرائيل بدلاً من المضي على طريق هذه الخيارات، الأقل كلفة ومشقة، تبدو كمن يستمرئ حالة القلق والحياة تحت الخطر بتغذية الأسباب المؤدية إليهما. هذا وإلا ما معنى استدراج المهاجرين اليهود (وغير اليهود طبقاً لشوهد دامغة) باعتبار أن ذلك سيقيها خطر المعادلة السكانية مع الفلسطينيين؟
وما معنى تطوير أسلحتها ومعداتها العسكرية واستثارة شركائها الدوليين بزعم التغلب على مقاوميها بالجوارين القريب والبعيد. وما معنى تكثيف الجهود الاستيطانية؟. أليس في هذه التحركات ما يستدعي ويستدر المزيد من ردود الأفعال الفلسطينية والعربية والإقليمية المثيرة والمجددة لبواعث القلق؟!
إنه لمن المدهش حقاً ألا يسأل الإسرائيليون أنفسهم في لحظة مراجعة وصدق ومصارحة مع الذات، عما إذا كانت سياساتهم هذه ونحوها قد حققت مراداتهم في الأمن والاستقرار سابقاً؟..
إنه لمن دواعي السخرية ألا يتعظ الإسرائيليون بخبرة الستين عاماً الماضية التي قضوها تحت السلاح منذ أعلنوا دولتهم، والتي تؤكد بلا ريب أن السياسات المذكورة، الممهورة بعقلية الإستقواء والالتفاف على أية جهود للتسوية الجادة قد فشلت في تحقيق هذه المرادات.
كيف لا يلحظ هؤلاء القوم ما لا يخفى على بصيرة أي متابع لسيرورة دولتهم وحياتهم لتلك التكرارية الممجوجة والمملة لخطابهم عن هدف الأمن في باكورة 2008، تماماً كما كان عليه الحال منذ 1948؟!.
وقبل هذا كله وبعده، كيف يخفى على النخب الحاكمة في إسرائيل التناقض الصارخ بين تلمسهم سبل مراكمة القوة استعدادا لجولات عسكرية لم تنقطع منذ وطئوا أرض فلسطين، وبين نداءاتهم ليهود العالم كي يهاجروا إلى هذه الأرض للاستئمان فيها من غوائل الدهر ومواقف الشعوب الأخرى التي يعيشون بين ظهرانيها؟
يقولون في إسرائيل إن المستوطنين بجوار قطاع غزة لا يثقون في قدرة جيشهم على وقف إطلاق «الصواريخ الفلسطينية» رغم كل إجراءاته الاحترازية بما فيها نظام التسلح المضاد المزمع إنتاجه.
كما يقولون عن حق بأن المهاجرين الإيرانيين الجدد سيتخذون من إسرائيل ممراً إلى عوالم أخرى ، وأن بعضهم قد حن سريعاً إلى مساقط رؤوسهم في إيران. ومع ذلك يصعب علينا الاعتقاد بأن أهل الحكم والسياسة الإسرائيليين سيعدلون إلى البدائل السلمية المطروحة بناء على هذه الشهادات ومثيلاتها. ذلك لأن حساباتهم محكومة بعقد تاريخية وايديولوجية وسياسية تتجاوز التفكير العقلاني بمسافات شاسعة.
كاتب وأكاديمي فلسطيني