كثيرة هي الحقائق والأرقام التي تشير إلى تنامي الكتلة البشرية المسلمة في أوروبا والتي بدأت تهدد أمن اليهود في هذه البقعة المهمة من العالم، ومؤخرا عبرت عدة تقارير يهودية عن تضاؤل عدد اليهود في أوروبا وتراجع تأثيرهم السياسي في الدول التي يعيشون فيها، في الوقت الذي تتزايد فيه قوة المهاجرين المسلمين في تلك الدول.

وجاء التحذير الجديد بالتزامن مع دراسة أعدها مؤخرا اليهودي الأميركي المتطرف دانيال بايبس وأظهرت مدى الرعب الذي ينتاب اليهود الأميركيين من تزايد أعداد المسلمين في أوروبا، وهو الأمر الذي يزعم اليهود أنه يمثل تهديدا حقيقيًّا للولايات المتحدة ويمهد للقضاء على ما اعتبروه مسيحية أوروبا، ويُنذر بأسلمة القارة العجوز على حد قولهم.

والتساؤل الذي يمكن أن يشكل جوهر هذه التخوفات يكمن في الدور المنتظر للمسلمين في أوروبا أو الولايات المتحدة في ظل الحرب النفسية المنظمة على الإسلام شرقا وغربا، لكن بايبس في دراسته يجد أن «العقيدة، والديموجرافيا السكانية، والإحساس التاريخي» يمكن أن تشكل العناصر الأقوى لتحويل أوروبا إلى قارة مسلمة.

مشيرا إلى أن المسيحية في أوروبا مثل اليهودية آخذة في التضاؤل؛ ففي لندن يقدِّر الباحثون أن أعداد المسلمين التي تذهب إلى المساجد يوم الجمعة أكثر من أعداد المسيحيين الذين يذهبون للكنائس يوم الأحد، على الرغم من أن أعداد المسيحيين في لندن يفوق أعداد المسلمين 7 مرات.

والطريف في هذه التقارير هو مصدرها حيث تهتم المؤسسات البحثية اليهودية بتفنيد الخطر المحتمل من تراجع النفوذ اليهودي في ظل تنام حقيقي للمسلمين الذين أنشأوا مجتمعاتهم الخاصة وشكلوا قوة ضاغطة داخل المجتمع الأوروبي المسيحي.

وظاهرة ملموسة استحقت البحث، وأكد تقرير «معهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي» للعام 2007، أن المجتمعات اليهودية الأوروبية آخذة بالاختفاء بسبب الهجرة والانصهار في المجتمعات التي يعيشون بينها ولكونهم مجموعة سكانية مسنة، وأن مجموعات يهودية كثيرة في أوروبا يتوقع أن تتقلص أو أنها ستختفي بالكامل.

وبحسب معطيات التقرير فإنه في العام 1970 كان عدد اليهود في فرنسا 530 ألفا أصبح عددهم 490 ألفا في العام 2007 ويتوقع أن يصبح عددهم 482 ألفا في العام 2020، أما في بريطانيا فقد كان عدد اليهود 390 ألفا في 1972 و295 ألفا في 2007 ويتوقع أن ينخفض العدد إلى 238 ألفا في العام 2020.

كما يشير التقرير إلى تراجع الوضع الاقتصادي لليهود في أوروبا الذين تأثروا من ظواهر البطالة الواسعة والركود الاقتصادي في السنوات الأخيرة، وفي سويسرا اضطرت أعداد متزايدة من اليهود للتوجه إلى دوائر الرفاه الاجتماعي، وأوصى المعهد باتباع خطة «تغليت» التي سجلت نجاحا بين اليهود في الولايات المتحدة واستحداث طرق لدعم تكاليف المعيشة المرتفعة لليهود في أوروبا.

وتعد دراسة بايبس هي الأهم عند الحديث عن حالة الهلع والترقب التي يعيشها اليهود فقد ذكرت: «ان تزايد أعداد المسلمين في أوروبا يمثل مشكلة حرجة على مستقبل القارة، وأن هذا التزايد من شأنه أن تكون له نتائج هائلة على الإنسانية، خاصةً في الولايات المتحدة، التي تربطها بأوروبا روابط اقتصادية حساسة»، وأضاف «ان مستقبل القارة الأوروبية مرهون بثلاثة سيناريوهات هي «الحكم الإسلامي» و«طرد المسلمين» و«التكامل المتناغم».

مضيفا ان العديد من المحللين يتوقعون أن ينتهي الحال في أوروبا بـ «أسلمتها»، أي أن السيناريو الأول «الحكم الإسلامي» هو الأقرب للتحقيق، أما السيناريو الثاني من وجهة نظر بايبس والذي يقوم على أساس «طرد المسلمين» فهو الأنسب للتخلص من المسلمين، وتقول الدراسة إن الكثير من الكتاب الأميركيين يعتقدون أن أوروبا أفضل مكان للإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

ومن المهم أن يعي المسلمون حقيقة هذه السيناريوهات وإمكانية تحققها في ظل اهتمام الحكومة الإسرائيلية بالدراسات والتقارير التي تكتب هنا وهناك والتي من شأنها أن تعزز من نفوذها حيث من المتوقع أن تناقش الحكومة الإسرائيلية هذه التقارير في جلساتها الأسبوعية.

ولعل التزايد في أعداد مسلمي أوروبا لم يكن مقصودا أو منظما كما هو الحاصل في الهجرات اليهودية المنظمة بشكل دقيق والتي تمثل توازنات قوى ومصالح إسرائيلية بحتة، فإن الخطر المحدق بمسلمي أوروبا سواء من قبل الحكومات الأوروبية أو من قبل الجماعات الصهيونية والمتطرفة قد لا يكتفي بطردهم بل ربما يصل الأمر إلى القتل، وعملت العديد من الأحزاب الأوروبية في هذا الاتجاه، الذي يقوي حدوث سيناريو «طرد المسلمين».

حيث يعارض العديد من الأحزاب الأوروبية الهجرة والإسلام، ويمثل الحزب الوطني البريطاني والحزب البلجيكي «فالميس بيلانج» أقوى جبهتين في محاربة الإسلام والمسلمين في أوروبا، والكل يتذكر موقف فرنسا من تشريع حظر الحجاب، وإزالة القيود حول الأعلام القومية والرموز المسيحية.

كما شهدت البلدان الغربية الأخرى جهوداً أقل فقد سعى حزب كريستيان ساند بروجرز النرويجي إلى منع وتحريم الإسلام في عام 2004، وسعى بوندزفيرباند الألماني إلى منع وتحريم القرآن في عام 2006مستندا في ذلك إلى تناقض القرآن مع الدستور الألماني، وطالبت جماعة «أوقفوا أسلمة الدنمارك» في بداية عام 2007 بمنع وتحريم أجزاء من القرآن وبمنع وتحريم كلّ المساجد بدعوى أنها غير دستورية.

وذهب كهنة وأساقفة كنيسة كاتش ذا فير بأستراليا في عام 2004 إلى القول بأنه «لأن القرآن يتعارض مع العقيدة المسيحية في العديد من الأمور، وبناء على قانون الكفر، فهو إذا دين غير شرعي.

وفي بلدان أخرى، طالب كتّابٌ بنفس المطالب. ألين جين ميريت بسويسرا، هو الاستراتيجي الذي أعد خطة من بعدين، الأول بعد شعبي والآخر قضائي بهدف منع تنفيذ كلّ المشاريع الإسلامية في سويسرا.

أما «بايبس» نفسه فإنه يرى الجهود الأكثر عملية والأكثر تركيزا إنما تتمثل في تقليص تهديدات الجهاد والشريعة بواسطة تحريم ومنع التفسيرات الإسلامية المتطرفة للقرآن ومنع وتحريم الإسلام المتطرف وأنشطة الإسلاميين المتطرفين.

وذلك بسحب نسخ القرآن التي تم طبعها ونشرها بدعم سعودي من مكتبات المدارس، وحبس الوعّاظ بالسجون بسبب تفسيرهم القرآن تفسيراً متطرفاً، اتهام ومحاكمة صور الإسلام المتطرف، إلغاء وسحب شرعية منظمات ومؤسسات الإسلام المتطرف، قيام السياسيين بمطالبة الإسلاميين المتطرفين بترك بلدانهم.

وهذا ما حدث بالفعل، وإذا كان العالم الإسلامي ينظر إلى تنامي العدد الإجمالي للمسلمين في أوروبا بنظرة فخر فإن الأهم معرفة استثمار هذه الورقة وتنظيمها كقوة ضاغطة مبرمجة تملك أدواتها وتفعيل نفوذها.

كاتبة إماراتية