خلال الأيام الماضية نفذت تركيا عمليات عسكرية متعددة في شمال العراق ضد قواعد حزب العمال الكردستاني التركي الذي تعتقد تركيا أن عناصر منه موجودة في هذه المناطق. وتقول ان جبال شمال العراق أصبحت ملاذا آمنا لمقاتلي حزب العمال ومقرا لقيادتهم.

وفي الوقت الذي قالت فيه تركيا انها وجهت ضربات قاصمة لهذا الحزب، فإن هذه العمليات تطرح تساؤلات جدية حول هذا الطرح التركي، لأنه يعني ضمنا أن خطورة الحزب على تركيا لم تصبح بنفس القدر الذي كانت عليه من قبل.

وطرح هذه التساؤلات يعد أمرا جديا في ضوء إعلان تركيا أكثر من مرة وبعد أزمات حدثت مع دول اتهمتها بأنها تساعد حزب العمال الكردستاني مثل سوريا في نهاية تسعينات القرن الماضي والآن يحدث نفس الأمر مع العراق، بما يعني ان هناك أزمة يعاد إنتاجها على مدى فترات زمنية متقاربة وفي كل حلقة منها تعلن جهات تركية انه تم إضعاف الحزب أو القضاء على بنيته التحتية أو إضعافه، ولكن تأتي الحلقة التالية لتؤكد أن هذا الأمر لم يكن صحيحا على الإطلاق.

ويعود عدم قدرة تركيا على إنهاء خطورة هذا الحزب إلى عاملين أساسيين الأول هو أن تركيا عادة ما تخلط أزمتها مع حزب العمال الكردستاني مع أزمات إقليمية أخرى، فإبان أزمتها مع سوريا خلطتها بأزمة الشرق الأوسط وما يجري من تطورات بين العرب وإسرائيل، وهي هذه المرة تخلط الأزمة بما يجري في العراق من تطورات سيتوقف عليها مستقبل الشرق الأوسط في الفترة المقبلة.

أما العامل الثاني فهو أن تسخين الملف الكردي عادة يخفي وراءه ملفات داخلية أو إقليمية أخرى مثل الصراع بين المؤسسة العسكرية والحكومة التركية أو إجبار دول إقليمية على اتخاذ خطوات أو إجراءات ذات بعد اقليمي. وفيما يتعلق بالأزمة الحالية، فإننا لا يمكن ان نعزلها عن تطورات مهمة في شمال العراق منها الاستفتاء حول مستقبل كركوك الذي تم تأجيله 6 اشهر بعد بدء العمليات.

وهو ما يؤكد ارتباط العمليات بهذا التطور، كذلك فإن العمليات التي استهدفت منطقة شمال العراق لابد وان تكون قد أثرت على البنية الأساسية للمنطقة الأمر الذي يؤثر بالتبعية على نية أكراد العراق في تأسيس دولة مستقلة لهم. على جانب آخر، لايمكن ان نفصل العملية العسكرية الجديدة في شمال العراق عن الصراع بين المؤسسة العسكرية التركية وحزب العدالة والتنمية الحاكم وذي الأصول الإسلامية.

فيكاد يجمع المراقبون المهتمون بالشأن التركي على أن هذه المؤسسة هي التي سخنت هذه المواجهة الأخيرة ويرجع ذلك إلى انها كانت تريد ان تحقق احد هدفين، الأول أن تدفع حزب العدالة والتنمية إلى هذه المواجهة.

وهذا يعني انه يتخلى عن ثوابت أعلنها خلال حملته الانتخابية خاصة فيما يتعلق بتعامله مع المسألة الكردية وفيما يتعلق بالعلاقة مع دول الجوار وعلى رأسها العراق، وهذا الأمر يؤثر على مصداقية الحزب أمام ناخبيه.

أما الهدف الثاني فهو يتحقق في حالة عدم نجاح المؤسسة في تحقيق الهدف الأول ويتمثل في التأثير على الحزب لدى الرأي العام اذا ما رفض تنفيذ العملية العسكرية.

حيث يبدو في هذه الحالة في موقف المهادنة والضعف، خاصة إزاء مسألة عليها إجماع من النخبة السياسية التركية، وبالطبع فطن العدالة والتنمية إلى ما تدبره المؤسسة العسكرية وأقدم على العملية العسكرية بعد تردد لكنه كسب منها أكثر مما هو متوقع سواء على صعيد الحفاظ على موقعه الجماهيري أو على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية.

فوفقا لما نقلته وكالات الإنباء فإنه كان هناك تعاون قوي بين تركيا والولايات المتحدة في هذه العملية قضى على الفتور الذي ساد على علاقات البلدين في السنوات الأخيرة.

فبعيدا عن التصريحات التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس والتي قالت فيها ان الولايات المتحدة ستزيد من دعمها لتركيا من أجل القضاء على تهديدات المسلحين الأكراد الذين ينطلقون من شمال العراق، فإن السفير التركي لدى الولايات المتحدة نبي سنسوي قال إن معلومات استخباراتية أميركية، جرى اطلاع تركيا عليها، كانت ضرورية للغاية لتنفيذ الغارات التي قام بها سلاح الجو التركي على شمال العراق.

وهذا الأمر يعتبر تطورا مهما بالنظر إلى أن تركيا كانت تنتقد في السابق ما رأت أنه غياب للتعاون الأميركي في السعي للقضاء على حزب العمال في شمال العراق، لكن السفير التركي قال ان حكومته راضية عن التعاون الاستخباراتي الذي تم مؤخرا بين البلدين.

ولكن على الجانب الآخر لابد لنا من الإشارة إلى العديد من النقاط التي تعني أن ما يمكن أن يكون حزب العمال قد تأثر به ما هو إلا تداعيات مؤقتة، ذلك ان الحزب يؤكد على الدوام ومن خلال الأزمات التي مر بها مرونته العالية وقدرته على بناء تحالفات تتوافق مع متطلبات كل مرحلة.

كذلك يعتمد الحزب على لوبي قوي في أوروبا، وهذا الأمر هو ما دفع السفير التركي في الولايات المتحدة إلى القول انه يتعين على دول أوروبية مثل الدنمارك وفرنسا والنمسا عمل المزيد لكبح أنشطة حزب العمال الكردستاني. وأشار إلى أن الدنمارك تسمح بمحطة للتلفزيون تبث أخبارا لصالح حزب العمال من أراضيها.

وتعتمد تركيا على المتعاطفين من الأكراد المتواجدين في الدول الأوروبية وذلك يؤمن للحزب تأييدا سياسيا من خلال اللوبي القوي الذي يستطيع ان يحشد مظاهرات في عدة عواصم أوروبية في وقت واحد، إضافة إلى دعم مالي يستطيع العاملون في أوروبا تأمينه للحزب بما يحفظ له توازنا ماليا يحتاج إليه.

من هنا يمكن القول انه مالم يكن التعامل التركي المعتمد تجاه الحزب متوازيا مع خطوات سياسية وثقافية أخرى فإن المسألة التركية ستظل تؤرق تركيا فترة طويلة حيث يعاد إنتاجها كل عدة سنوات، فهل تتبع تركيا عمليتها العسكرية بهذه الخطوات؟ وهي هنا ستكون في موقف قوة يحفظ لها ماء الوجه؟ إذا مالم تفعل ذلك فهي لن تكون قد أنهت خطورة حزب العمال الكردستاني.

كاتب مصري