هل جاء تدهور الاقتصاد الأميركي في الأشهر الأخيرة رحمة على جمهورية إيران الإسلامية؟ فالولايات المتحدة كانت قاب قوسين أو أدنى من شن عملية عسكرية «تأديبية» على هذه الجمهورية شبه المعزولة عن العالم بدعوى محاولاتها المستمرة لتطوير قدراتها النووية العسكرية التي قد تصل إلى قلب إسرائيل وربما إلى قلب أوروبا.

وكان التأهب العسكري لحلفائها والتهيئة النفسية لشعوب المنطقة والتعبئة الإعلامية الأوروبية في أوجها، وكانت كلها تشبه إلى حد ما أصوات طبول الحرب التي سبقت قصف بغداد، وبنفس الحجج المختلقة والواهية.

ورغم نصائح وتحذيرات المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين والسوسيولوجيين من أن ضرب إيران هذه المرة لن يكون قرارا سهلا، إلا أن رجالات الحرب في الإدارة الأميركية كانوا يفكرون ويسيرون ويدرسون الاحتمالات في اتجاه آخر.

وأيا كان الأمر، فإن حروب الولايات المتحدة الأميركية على مر الأزمان كانت تقوم بالدرجة الأولى على قاعدة اقتصادية قوية، وهيمنتها على العالم شرقا وغربا لم تستند على اتساع مساحاتها الجغرافية الشاسعة، بل على ما تدره عليها آلات مصانعها.

وهذا أمر بديهي، فأي دولة لا تملك الإمكانيات المادية الكافية لا تملك بالتالي القدرة على تحريك قطعة سلاح واحدة، فكيف بالأساطيل التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في حروبها الخارجية البعيدة. وكلها حروب كما نعلم تقع على بعد عشرات الآلاف من الأميال بعيدا عن الحدود الجغرافية للولايات المتحدة الأميركية، ولذلك كلفت خزينة الدولة أرقاما خيالية وكان مردودها صفرا حتى الآن.

هذا يعني أن معظم مشاريع الحرب هذه خرجت منها أميركا بدون أي ناتج حقيقي يغطي حتى تكلفة المشروع نفسه. وإذا صحت التقارير التي نشرت (على سبيل المثال، مشروع الأولويات الوطنية على موقعها:

www.nationalpriorities.org) فإن تكلفة الحرب على العراق قد تكون بلغت أكثر من 500 مليار دولار أميركي مع نهاية العام المنصرم، أي بمعدل 125 مليار دولار سنويا على مدى أربع سنوات منذ تاريخ الغزو عام 2003.

وهو رقم يبدو أن مخططي الحرب هناك لم يكونوا قد توقعوا حتى نسبة الربع منه. مع هذا، لا يزال احتلال العراق يكلف الاقتصاد الأميركي ما يقارب 1% من قيمة نمو الإنتاج المحلي، وما زالت إدارة الرئيس بوش تطالب بدفعات مقدمة إضافية جديدة لتمويل استمرار الاحتلال. ويجب أن لا ننسى بأن هناك مليارات إضافية أخرى سوف يتم تخصيصها بعد الانتهاء من الاحتلال لتصرف على ترميم ما هدمته الحرب نفسيا وجسديا وماديا.

أما اليوم، فإن المؤشرات الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية تكاد تكون معظمها باللون الأحمر. فعملة الدولار في أدنى مستوياتها أمام العملة الأوروبية الموحدة اليورو، والنفط في أعلى مستوياته وكذلك سعر الذهب، والأزمة العقارية تهد ما بناه الاقتصاد الأميركي قبل ذلك، وعدد الفقراء الأميركيين في تزايد.

وأمام هذا التدهور الملحوظ، خرج لنا الآن غرينسبان، المدير السابق للمصرف الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتصريحه الجريء حين أعلن بأن هناك «تزايدا في فرص وقوع اقتصاد الولايات المتحدة ضحية الركود والانكماش»، وأشار إلى أن النمو الاقتصادي الأميركي «يكاد يبلغ النقطة التي يتوقف معها اندفاعه».

وأضاف موضحا ذلك بقوله: «إن الأمر يشبه الإنسان الذي يعاني جهاز مناعته من ضعف يجعله عرضة لجميع الأمراض، فالاقتصاد الأميركي يعاني حالياً من ضعف يجعله عرضة لأي نوع من أنواع الصدمات». هذا ما نقلته الأسوشيتد برس من مقابلة أجراها غرينسبان مع NPR نيوز.

وواحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالولايات المتحدة في الآونة الأخيرة أزمة العقارات والتي كانت واحدة من نتائجها فقدان 50 ألف وظيفة في قطاع العقارات بالولايات المتحدة الأميركية عام 2007، ومن بين هذا العدد 12 ألف وظيفة أعلنت عن ضياعها كاونتري وايد Countrywide أكبر مؤسسة إقراض عقاري في الولايات المتحدة،

والقرار الذي اتخذته جميع البنوك الأوروبية بتجميد صناديقها العاملة بمليارات الدولارات في المجال العقاري هناك، ولا نغفل العدد الهائل من سكان الولايات المتحدة (يقدرون ما بين مليون وثلاثة ملايين أميركي) ممن وجدوا أنفسهم وعائلاتهم بين ليلة وضحاها في وسط الشارع، بلا مأوى، ولا مصدر دخل، وحسابات مصرفية تحت المكشوف، لأنهم وجدوا أنفسهم غير قادرين على تسديد الديون العقارية التي تراكمت عليهم.

وقد سخر أحد المسنين العراقيين من ذلك ضاحكا، وهو يجلس على عتبة بيته الذي دمرته أربع سنوات من الحرب: (نحن لسنا أفضل منهم حالا؟). كما أن الأزمة العقارية لن تقف عند هذا الحد، فهناك أزمات أخرى ارتدادية سوف تتأثر بها قطاعات أخرى متصلة، ومنها على سبيل المثال، قطاع البناء والتشييد والصناعات المتعلقة بها.

هذه واحدة من الأزمات المتعددة التي تواجهها الولايات المتحدة منذ غزو العراق، ويدفع ثمنها الفرد الأميركي قبل المواطن العراقي. فهناك أزمة أخرى ذات مغزى تتلخص في عدد الفقراء المتزايد هناك والذي بلغ 5,36 مليون شخص من بين عدد سكان الولايات المتحدة والذي يبلغ قرابة 300 مليون نسمة.

هل أصبحت الولايات المتحدة بقوتها العظمى تتآكل اقتصاديا من الداخل أكثر من أي وقت مضى؟ وهل سينجرف الاقتصاد الأميركي نحو الهاوية مخلفا الدمار والغبار والموت على شاكلة انهيار برجي التجارة في نيويورك اللذين اختارتهما منظمة القاعدة لضرب رمز الاقتصاد الأميركي؟

وهل على هذه الدولة العظمى التي خططت لسقوط الاتحاد السوفييتي في يوم من الأيام لتتربع بعدها على عرش العالم، هل يتوجب عليها اليوم تحت انهيار اقتصادها التسليم بالهزيمة ونقل مقاليد الحكم إلى الاتحاد الأوروبي أو الصين والهند، لكي تنزوي هي في زاوية من القارة تبكي على أطلال مغامراتها التي ورطها فيها أصدقاؤها قبل أعدائها؟

لا أحد يستطيع سبر أغوار المستقبل. إلا أن جميع المؤشرات الاقتصادية الأميركية وتحركات بعض الدول الغربية مثل روسيا وفرنسا والصين تدل على نهاية غير مشجعة لاستمرار الولايات المتحدة في زعامة العالم تحت شعار «الحرب على الإرهاب» الذي لا يزال حتى كتابة هذه السطور يكلف اقتصادها غاليا.

ولولا هذه الحسبة الرقمية البسيطة لتكلفة يوم واحد من الحرب لربما كانت إيران اليوم تحت قصف البي 52 والمنطقة تحت رحمة عاصفة صحراء جديدة لا تحمد عقباها، ورب ضارة نافعة.. كما يقال

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com