إذا كانت نهاية العام وبدايته تعني بالنسبة للشعوب والدول وربما الكثير من الناس والمؤسسات، انتهاء لخطط وتقييمات لأعمال جرت، وقياسات زمنية للتقدم أو المراوحة، أو حتى التراجع وبداية لخطط أخرى متفائلة تسعى وراء النجاح والتقدم، فإن نهاية العام الماضي، كما بدايته، إذ يواصل المشهد المأساوي الفلسطيني عبثيته وكأنه القدر يمضي في تعذيب أرواح الفلسطينيين المتعبة.
في عامهم الماضي المفترض، وقع أسوأ ما يمكن أن يقع لشعب تحت الاحتلال، ولا يتوقف نضاله من أجل التحرر ضد محتل يعلن كل ساعة عن مدى همجيته ولاإنسانيته وبطشه وبشاعته، وقع الانقسام الشامل العميق، إثر الانقلاب العسكري الذي قامت به حركة حماس في قطاع غزة، وأدى إلى سيطرتها الكاملة عليه.
ومنذ ذلك الوقت، والأحداث الداخلية والخارجية تتداعى على نحو أشد خطورة من أي وقت مضى، لتعيد رسم المشهد الفلسطيني، مشهد اللجوء والتمزق والانقسام والضعف والفقر، مشهد على النحو الذي لطالما حلمت إسرائيل بتحقيقه دون أن تتوقع تحقيقه لولا التصدع الكبير الذي ضرب القلعة الفلسطينية من داخلها.
وقع الصدع الكبير والعميق، وانشغل الفلسطينيون في التعامل مع تداعياته المأساوية بين من يعتبره إنجازاً تاريخياً، ومن يعتبره كارثة كبرى، غير متنبهين إلى ما يلفت انتباه منتظري الفرص التاريخية، فيستثمر الرئيس بوش تلك الفرصة ليقدم بعد شهر واحد من وقوع الانقلاب، على مبادرته ودعوته لعقد لقاء دولي في أنابوليس.
لقد أدركت الإدارة الأميركية مدى أهمية الفرصة المتاحة لدفع الفلسطينيين المنقسمين والضعفاء، وحكومة أولمرت المهددة بالسقوط بسبب التداعيات المتصلة لفشلها في الحرب على لبنان، نحو معاودة التفاوض وابتزاز ما يمكن من التنازلات لإنجاز تسوية قد يكون من الصعب إنجازها في ظروف مختلفة.
وبالرغم من إدراك كل الفلسطينيين لأهمية وخطورة ودوافع ما تقوم به الإدارة الأميركية، ومعها المجتمع الدولي، الذي أكد دعمه الجماعي للمسعى الأميركي مرتين خلال فترة قصيرة الأولى في أنابوليس والثانية في باريس، نقول رغم إدراك ذلك إلا أن تفاعلات الأزمة الداخلية ودوافعها بقيت أقوى من أن يدرك الفلسطينيون الحاجة لتجاوز انقسامهم.
مشهدان يتكفلان بإزاحة روزنامة الوقت التي تحدد الفارق بين عام مضى وآخر جديد مقبل، ويغلقان الأذان والعيون ليبددآ أصوات قرع أجراس الكنائس في القدس وبيت لحم، حيث هناك تجري احتفالات بأعياد الميلاد التي تصادف وترسم خطاً بين نهاية عام وبداية آخر.
مع اقتراب نهاية العام، ومثلما في كل عام تجري الاستعدادات حيثما تواجد الفلسطينيون لإقامة الاحتفالات، بمناسبة ذكرى انطلاقة حركة فتح بما أنها أيضاً انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة التي لم تتوقف منذ ثلاثة وأربعين عاماً.
ومرةً أخرى تتدخل يد القدر الذي ترسمه وتتحكم فيه عوامل الانقسام، لتحيل الاحتفالات إلى أجواء مأساوية، فتسود قطاع غزة المحاصر والمنكوب، حصارات داخلية تعبث في العام والخاص، لتمنع أي وأبسط مظاهر الاحتفال، ولتنشر المزيد من القمع والخوف، فيسقط ثمانية شهداء وعدد كبير من الجرحى، وتجري ملاحقة مئات الكوادر والأعضاء، ويتم تجاوز حصانة القادة السياسيين، فتسقط أمام الحقد المتبادل المزيد من المحرمات والخطوط الحمر.
ويواصل الانقسام التعبير بقسوة عن حضوره وتداعياته، ففي الضفة الغربية تجري مراسم واحتفالات، وفي غزة تمنع أبسط المظاهر الاحتفالية بقمع يتجاوز حدود الحاجة لمنع حركة فتح من إقامة احتفالات بالمناسبة، فلماذا تسمح حركة حماس المسيطرة على غزة بإقامة احتفالات، فيما كانت السلطة قد منعتها من إقامة احتفالات في الضفة بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسها؟
أما المشهد الآخر، فيرسمه حال ألفين ومئة وخمسين حاجاً من حجاج بيت الله الحرام الذين خرجوا من قطاع غزة، قبل نهاية العام. لقد خرج هؤلاء في مشهد احتفالي بدا وكأنه انتصار لحركة حماس، التي تمكنت بعد تنسيق غير معلن مع الأشقاء المصريين، من إخراجهم من خلال معبر رفح الحدودي مع مصر، رغم أنه مغلق بالكامل منذ يونيو العام الماضي.
لم يكن الحجاج، يتوقعون عند خروجهم السهل والانتصاري، أن يواجهوا مأساة كالتي واجهوها، حيث ترفض إسرائيل دخولهم من خلال الطريق التي خرجوا منها من معبر رفح، وتشترط عودتهم من خلال معبر كرم أبوسالم الذي يقع على مثلث الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل ومصر، وتتحكم فيه إسرائيل بالكامل، وهو شرط يتعذر قبوله نظراً لوجود عدد ليس قليل من قيادات وكوادر حركتي حماس والجهاد الإسلامي المطلوبين أمنياً لإسرائيل.
وتتداعى المأساة تعبيراً عن حال الانقسام الصادم، فيجري تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات، واحدة تقيم في البحر الأحمر، على ظهر عبارة مصرية، وأخرى تقيم في ملعب رياضي بمدينة العريش، عاصمة صحراء سيناء، والثالثة في مركز إيواء قريب من العريش.
أزمة الحجاج الفلسطينيين من قطاع غزة التي انتهت بثلاث ضحايا كانت مفتوحة على المزيد من الموت، طرحت مأساة الحصار الذي يعاني منه مليون ونصف المليون هم سكان القطاع، منذ سبعة أشهر، من حيث التشرذم، وقلة الحيلة، والقلق من المجهول، والفقر إلى حد التسول، ونقص الخدمات الطبية التي أودت حتى الآن بحياة نحو اثنين وستين حالة وفاة في قطاع غزة بسبب منعهم من الخروج للعلاج.
مشهدان يضيعان الفوارق والفواصل الزمنية بين عام وآخر، ويطيحان بالسنة كوحدة قياس زمنية، لكنهما يطرحان الأزمة بقوة أكبر على الفرقاء المنقسمين حتى العظم من بوابة ملف الحصار والمعابر المغلقة كملف يمكن أن يتلاقى حوله الفلسطينيون ولو من باب المصلحة التي لا تتناقض مع الأجندات الفصائلية المتصارعة.
في ملف الحصار والمعابر كان رئيس الحكومة سلام فياض قد طرح مبادرة تقضي بأن تتسلم السلطة المسؤولية عن المعابر الخمسة التي تربط قطاع غزة بالعالم الخارجي وبالضفة الغربية عبر إسرائيل، بالرغم من سيطرة حركة حماس على قطاع غزة.
يؤمن الدكتور فياض بأن الحصار المالي والاقتصادي على قطاع غزة، لن يثنى حركة حماس عما تريده وتفعله، فمثل هذا الحصار لم يسقط نظام كاسترو، ولم يؤد بإيران لتغيير سياستها.
كما أنه لم يؤد إلى إسقاط صدام حسين قبل احتلال العراق. ويؤمن فياض أيضاً بأن فتح المعابر سيساعد في تنفيذ خطته الثلاثية التنموية التي لاقت دعماً منقطع النظير من المؤتمر الدولي الذي انعقد في باريس، وباعتبار أن الخطة تؤسس لقيام دولة فلسطينية يسعى من أجل إقامتها المجتمع الدولي.
خطة فياض لاقت تأييداً من الرباعية الدولية، التي وافقت عليها وتبنتها وهي بصدد إقناع إسرائيل بقبولها، رغم أنها تتعارض مع المصالح والسياسات الإسرائيلية التي تسعى لتعميق الانقسام الفلسطيني وتدمير مقومات قيام دولة فلسطين.
إسرائيل لم ترفض ولم تقبل الخطة، فيما يبدو أنها تؤجل ردها إلى حين قيام الرئيس بوش بزيارتها بعد أيام قليلة، غير أن إنجاح المبادرة يقتضي أيضاً موافقة حركة حماس عليها.عدا عن ذلك أبدى المراقبون والصحافيون اهتماماً كبيراً بما ورد في خطاب الرئيس محمود عباس لمناسبة انطلاقة فتح، إذ تحدث بلغة مرنة ودافئة عن استعداده لطي صفحة الماضي مع حماس إذا تراجعت عن انقلابها وقبلت بانتخابات مبكرة.
وعلى الرغم من أن حماس ردت في اليوم التالي برفض أي شروط للحوار، إلا أن ثمة من يعلق آمالاً على إمكانية توفر إرادات جديدة للدفع نحو الحوار ولكن السؤال الذي يظل مرفوعاً هو: هل يمكن أن تنجح مبادرة فياض وكلمات عباس في تغيير المشهدين اللذين يلخصان المشهد الفلسطيني المأساوي بما يعيد الفلسطينيين إلى التعرف على أجندات القياس الزمني؟
كاتب فلسطيني