تبنت المجموعة العربية لدى اليونسكو عام 1995 تسمية عاصمة للثقافة العربية كل عام، واحتفلت مدن عربية عدة بكونها عاصمة للثقافة العربية بدأت من القاهرة عام 1996 ثم تونس والشارقة وبيروت والرياض والكويت وعمان والرباط وصنعاء ومسقط وأخيراً الجزائر عام 2007 وستكون دمشق عاصمة للثقافة العربية لهذا العام 2008.
كانت احتفالات هذه المدن باعتبارها عاصمة للثقافة العربية متشابهة تقريباً بين مدينة وأخرى، وقد تضمنت جميع برامجها احتفالات فولكلورية من رقص وموسيقى وغناء ونشاطات أخرى كالندوات والمحاضرات الاحتفالية والمعارض المؤلفة بسرعة وإصدار الكتب والكراسات وما يشبه ذلك، والملاحظ أنها جميعها تدور حول تمجيد المدينة المعنية ودورها التاريخي في الثقافة والتذكير بأعلام ولدوا فيها أو عاشوا في كنفها أو كتبوا عنها، وتوصيف نشاطاتها عبر التاريخ.
وغالباً ما يضع برامج هذه الاحتفالات ويشرف على تنفيذها أصحاب مناصب رسمية وبيروقراطية وموظفون حكوميون لا شأن لهم بالثقافة، وتهتم هذه البرامج بالشكل وتنشغل بالاحتفالات والبهرجة وتوظفها لخدمة الأنظمة السياسية.
وبالخلاصة لا تتعدى هذه الاحتفالات في الغالب الأعم النشاطات الشكلية والطارئة والسطحية ولا تتجاوز تأدية الواجب ولا تقترب من دراسة واقعنا الثقافي العربي والمخاطر التي تحيط به من اختراق وعولمة وتخلف وأمراض مزمنة أو معاصرة.
ولا تجشم نفسها عناء دراسة مشكلات الثقافة والتراث وحريات المبدعين ومشاكل المعرفة في البلدان العربية دراسة نقدية معاصرة والبحث عن سبل تأهيل الثقافة العربية للصمود بوجه الاختراق وتأهيل مناخ الحرية لها، وتجديد اللغة العربية، وإيجاد الشروط الموضوعية المناسبة لتلعب الثقافة العربية دوراً جدياً في حوار الثقافات والدخول شريكاً مكافئاً ومتكافئاً مع الثقافات المعاصرة للشعوب الأخرى، ومساعدة ثقافتنا كي تستقوي بذاتها وبغناها وبقدراتها وبتاريخها أيضاً، وتعود لتمارس دورها التاريخي الهام في بناء الثقافة الإنسانية وتطويرها.
للثقافة مئات التعريفات حسب المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وحسب منظمة اليونسكو أيضاً، ولعل أقرب هذه التعريفات إلى الواقع هو أنها ما يضيفه الإنسان إلى الطبيعة، أي ما يبدعه فنياً وأدبياً وما يخترعه في مختلف المجالات ولمختلف الحاجات، وهذا يرتبط بطبيعة الحال بدرجة التطور في أي مجتمع وبتقدمه الأدبي والفني والعلمي وغير ذلك.
ونظرا لتخلفنا الحالي العلمي والحضاري عامة فإن ثقافتنا تواجه مصاعب في المساهمة الجادة في تطوير الثقافة الإنسانية وإضافة جديد إليها، ولكن هذا لا ينفي أننا نمتلك الشروط الضرورية للقيام بمثل هذا الدور. وربما بسبب قصورنا عن إحياء ثقافتنا وتحديثها وتطويرها نلجأ إلى الماضي ننبش فيه ونستعيد أمجاد ثقافتنا في الزمن الغابر ونذكّر بأيام ازدهارها، ونتجاهل ما نحن فيه من تخلف ثقافي وعجز عن المساهمة في الثقافة الإنسانية.
وكأن أمجاد الماضي تغنينا عن بؤس الحاضر، أو كأن اجترار ثقافة أبدعناها في ظروف تاريخية مختلفة يمكنها أن تسد الفجوة وتعوض النقص وتصلح للظرف الحاضر ولحياتنا المعاصرة، وتجدنا ننحو إلى اللجوء للماضي وقوانينه لنفسر الحاضر ونتبنى ثقافة سابقة نحاول فرضها على مناخات حالية دون تطوير ودون مساعدتها على استيعاب المستجدات.
على أية حال إنها مبادرات هامة وإيجابية أن يحتفل بلد عربي كل عام بمدينة من مدنه عاصمة للثقافة العربية، حتى لو كانت الاحتفالات تهتم بالمظاهر والشكليات والنشاطات الاحتفالية العابرة والتي تديرها البيروقراطية ويهيمن عليها مثقفو السلطة وموظفوها وتوظف لخدمة النظام السياسي وتهتم بالبهرجة والفولكلور وتبتعد عن اتخاذ المواقف المسؤولة وخاصة نقد التراث الثقافي وتجديده والبحث عن أفضل السبل للقيام بهذا العبء.
والتفتيش عن الضعف وأسبابه، والخلل ومواضعه والسعي الجاد لتأمين الشروط الموضوعية لإحياء ثقافتنا وتمكينها من مواجهة الاختراق الثقافي والانطلاق بها لتكون نداً للثقافات المعاصرة المتقدمة.
إن ما راكمته ثقافتنا خلال مئات السنين ليس خيرا كله ولكنه كان رائداً للحركة الثقافية العالمية في بعض مراحل التاريخ، إلا أن هذا وظروف الحاضر وشؤونه وقوانينه لا تغنينا عن نقد تراثنا الثقافي وإخراجه من دائرة التقديس وتطويره وتحديثه ليكون صالحاً لعصرنا ومساهماً في خلق وعي جديد لأجيالنا الحاضرة.
ولعب دور أساس ليس فقط في تشكيل هذا الوعي وإنما أيضاً في تطوير قيمنا وتقاليدنا وعاداتنا لتناسب وتتناسب مع احتياجاتنا المعاصرة وتستوعب فيض الثقافة العالمية التي تساهم وسائل الاتصال الحديثة في تهيئة المناخ الملائم لها للهيمنة والاختراق بل والغزو ولتغيير شروط الحفاظ على الهوية الوطنية وتمكينها من الاستمرار، وزيادة ضعف الثقافات الراكدة وهزالها وتعريضها للموت.
لعل من الشروط الرئيسة لإحياء الثقافة وتحديثها وازدهارها توفير الحرية للمبدعين وإتاحة الفرصة لهم ليبدعوا بحرية لأنه بدون حرية واطمئنان يتعذر الإبداع والخائف لا يبدع عادة، ونلاحظ في البلدان العربية مزيداً من التضييق على الحريات سواء من قبل السلطة السياسية أم من قبل المجتمع ومنظماته وربما أصبح المجتمع أشد تضييقاً من السلطة السياسية لأنه يرزح تحت أكداس من الثقافة المشوهة والتراث المتخلف والاجتهادات التي عفا عليها الزمن.
بحيث لا يجرؤ الدارس أو المبدع أو المثقف أن يعمل بحرية وأن يخوض معركة النقد وتلمس الخطأ من الصواب والغث من الثمين، ويساهم في تنقية التراث الثقافي والتراث بشكل عام واستكمال بناء الثقافة الحديثة، وأن تشارك المؤسسات المعنية الرسمية والمجتمعية في ممارسة دورها هذا، من خلال طيف واسع من الحرية وخارج إطار البيروقراطية والتدليس للسلطة السياسية. وربما كنا بحاجة لمؤسسات متخصصة قادرة حرة تكلف بمسؤوليات في هذه المجالات بقدر حاجتنا للحرية.
من الطبيعي أن المثقفين كأفراد عاجزون عن القيام بالمهمة الجسيمة أعني نقد التراث وتنقيته من الشوائب وتطوير الثقافة الوطنية وتحديثها، فالأمر يحتاج في الواقع إلى مؤسسات متخصصة مستقلة مالياً وإدارياً لا تكون أسيرة في مختلف قراراتها ونشاطاتها للسلطة السياسية خاصة وأنها ملك للأمة كلها وليست للحكومة أو السلطة وأن يتاح لها مناخ من الحرية الواسعة وتحمى من خطر تدخل البيروقراطيين أو ابتزاز مؤسسات المجتمع المدني أو المتطرفين الذين يقدسون التراث بخيره وشره ويرفضون تحديثه أو تطويره.
إن كون مدينة ما عاصمة للثقافة العربية لا يعني إشهار هذه المدينة أو الاحتفاء بها فقط، وإنما يعني أيضاً فتح الأبواب والعمل على إيجاد الشروط المناسبة لبناء لبنة جديدة في ثقافة جديدة حرة ومتطورة للوطن كله، وخلق مناخات من شأنها تحديث ثقافة الأمة وتأهيلها لتحمل مسؤوليات الحفاظ على الهوية والتفاعل مع العصر ومعطياته ومع الثقافة الإنسانية ومفاعيلها.
ولعله من المهم القول إن على عاصمة الثقافة العربية في أي بلد عربي أن لا تكتفي بنقد التراث وتطوير الثقافة وتحديثها والاحتفال بالظاهرات الثقافية والدور التاريخي لها فحسب.
وإنما أيضاً بإيلاء اللغة العربية اهتماماً استثنائياً باعتبارها وعاء الثقافة العربية وتطوير هذه اللغة أسلوباً ولفظات ومساعدتها لتنمو من جديد على حساب اللهجات المحلية التي تكاد تقضي عليها، ناهيك عن تراجع هذه اللغة لدى أبنائها أمام اللغات الأجنبية.
كاتب سوري