بدا واضحاً في الأيام الماضية أن روسيا مصممة على الاستمرار في استعراضات القوة التي بدأتها منذ مطلع العام المنصرم 2007 حيث شهدت الأيام الأخيرة في العام إجراء تجربة إطلاق ناجحة للصاروخ الباليستي الروسي من طراز «ر س-24» العابر للقارات والمزود بعدة رؤوس انشطارية، وقد أطلق الصاروخ من الغواصة النووية «تولا» في بحر بارينتس ليقطع في أقل من 25 دقيقة مسافة عشرة آلاف كيلومتر ويصيب أهدافه بدقة في صحراء كماتشكا في أقصى شرق روسيا.

وهي التجربة الثانية للصاروخ بعد الأولى التي أجريت في مايو الماضي وحضرتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس برفقة نظيرها الروسي سيرغي لافروف، وأبدت رايس إعجابها بالصاروخ مهنئة بنجاح التجربة ومعلقة بقولها «نتمنى ألا يستخدم هذا الصاروخ ضد أحد في المستقبل».

وأجابها لافروف قائلا «ونحن أيضا نتمنى ألا يضطرنا أحد لاستخدامه»، إنها لغة القوة التي لا تفهم واشنطن سواها بعد أن فشلت كل لقاءات التفاوض والحوار الدبلوماسي بينها وبين موسكو حول قرار نشر منظومة الدرع الصاروخية الأميركية المضادة للصواريخ على أراضي بولندا وتشيكيا، والتي ترى فيها موسكو تهديدا مباشرا لأمنها القومي دون سواها، الأمر الذي استدعى من موسكو اتخاذ ردود فعل قوية وملموسة.

أول ردود الفعل الروسية التي سببت صدمة لواشنطن والأوروبيين كانت إعلان روسيا في أكتوبر الماضي تعليق مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، وهو القرار الذي أثار زوبعة حادة في الغرب لأنه يعني أن روسيا تنوي إعادة نشر أسلحتها على حدودها الغربية تجاه أوروبا.

ورغم أن حلف الناتو والأوروبيين لم يصدقوا على هذه المعاهدة وصدقت عليها فقط روسيا وثلاث دول من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ورغم التزام روسيا بالمعاهدة منذ منتصف التسعينات حتى الآن إلا أن حلف الناتو لم يلتزم بها وذهب ينشر قواته في شرق أوروبا في دول الكتلة الشرقية السابقة.

كما قررت واشنطن نشر منظومة دفاعها الصاروخي في بولندا وتشيكيا، كل هذا ويريدون من روسيا أن تلتزم هي بالمعاهدة ولا يلتزمون هم بها، إنها النظرة السابقة التي مازال الغرب ينظر إلى روسيا بها والتي كانت سائدة في سنوات التسعينات عندما كانت روسيا ضعيفة لا حول لها ولا قوة، أما الآن فقد تغيرت الأحوال وانقلبت الأمور.

روسيا الآن لا تريد الصدام ولا الحرب ولا تسعى لممارسة التهديدات من أجل ابتزاز الآخرين، لكنها ترفض تماما أن يستهين أحد بقوتها ومكانتها، ولهذا تضطر لاستخدام لغة التهديد واستعراض القوة حتى يفيق الآخرون من نومهم.

وهذا هو الأسلوب الذي استخدمه رئيس الأركان الروسي الجنرال يوري باليوفسكي في حواره مع الأميركيين في واشنطن في مطلع ديسمبر المنصرم، لقد تحاور باليوفسكي مع جنرالات البنتاغون حوارا طويلا خلص منه بمقولته بأنه اكتشف أن الأميركيين مازالوا ينظرون لروسيا على أنها العدو القوي الذي يهددهم والذي يجب أن يستعدوا له دائما.

ولهذا حذرهم باليوفسكي بلغة أشبه بالتهديد من أن منظومة الصواريخ الباليستية النووية الروسية تعمل بشكل أوتوماتيكي وبدون سابق إنذار وبدون أي تحكم بشري، بمعنى أن الصواريخ الروسية تنطلق من تلقاء نفسها أوتوماتيكيا إذا حلق أي صاروخ في السماء متجها نحو روسيا حتى ولو بطريق الخطأ، هذا التحذير المتضمن للتهديد ليس موجها للأميركيين فقط بل أيضا موجها للأوروبيين ليتحملوا مسؤولية وجود أية صواريخ موجهة نحو روسيا على أراضيهم.

الأميركيون يعلمون جيدا أن روسيا لن تعتدي على أحد ولن تسعى للصدام من تلقاء نفسها، لكن ما يقلق واشنطن أن استعراض القوة الروسي سيكون له بالغ التأثير على الأوروبيين ويجعلهم يترددون كثيرا في التعاون العسكري مع واشنطن والاستجابة لطلباتها وضغوطها.

وروسيا تعلم أن واشنطن قلقة من هذا الأمر ولهذا تتمادى في استعراض قواتها العسكرية، حيث نرى الطائرات الإستراتيجية الروسية المجهزة لحمل رؤوس نووية ما زالت تقوم بطلعاتها الجوية على مدى الشهور الثلاثة الماضية والتي تجوب فيها السماء بالقرب من المجالات الجوية لبعض الدول الأوروبية وأيضا فوق بعض القواعد الأميركية وحلف الناتو.

وعلى الرغم من أن الطائرات لا تحمل بالطبع رؤوساً نووية إلا أنها تثير القلق والتوتر لدى العسكريين الغربيين الذين يطلقون على هذا النوع من الطائرات اسم «الدب الروسي»، وقد أطلق الحلف بعض طائراته المقاتلة التي حلقت بجوار الطائرات الروسية لكنها لم تطاردها بل تبادل الطيارون التحية في السماء.

روسيا لا تريد العودة لأجواء الحرب الباردة وتريد أن تتفرغ للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن على ما يبدو أن هناك من لا يريد لها التفرغ لبناء اقتصادها وجرها دائما للصراعات وسباقات التسلح، وعلى الرغم من انتهاء الحرب الباردة وانهيار حلف وارسو الاشتراكي منذ أكثر من عقد ونصف مضى إلا أن حلف شمال الأطلسي لم يتوقف عن مشاريعه العسكرية وتوسعاته نجو الشرق.

وقد ضاعف الحلف قواته وعتاده أربع مرات منذ انهيار الاتحاد السوفييتي حتى الآن، في الوقت الذي تمد فيه روسيا يد التعاون للأوروبيين والأميركيين وتسعى لتوطيد علاقاتها الاقتصادية والتجارية معهم، ولكن على ما يبدو أن نسبة التغيير السريعة في روسيا يقابلها جمود وتراجع في التفكير الغربي.

فقد سمعنا مؤخرا وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت تصرح علنا للصحافيين قائلة «إن روسيا تملك ثروات وموارد هائلة وغير عادلة»، إنه بالفعل أمر خطير أن يكون هذا هو تفكير الأميركيين والغرب تجاه روسيا، لأنه يعني ببساطة أنهم يتعاملون معها على أنها عدو وليس شريكاً متعاوناً، الأمر الذي يدفع روسيا لتنمية قوتها العسكرية والنووية استعدادا ليس للحرب.

ولكن للردع الدائم حتى لا يدور بعقل أحد يوما ما أن يفكر في الإضرار بأمن روسيا ومصالحها، وهذا الأسلوب يبرره أن هناك جهات لا تفهم إلا لغة القوة ولا تحترم الآخرين ولا المجتمع الدولي ولا الشرعية الدولية، إنهم فقط يحترمون الأقوياء ويخشونهم دائماً.

جامعة سيبيريا