تحمل العملية الإرهابية التي وقعت في موريتانيا الأسبوع الماضي والتي راح ضحيتها أسرة فرنسية كانت تقضى هناك عطلة عيد الميلاد، العديد من الدلالات، فمن الواضح أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ضالع في هذه العملية ليس فقط لأن السلطات الموريتانية أعلنت ان اثنين من المسلحين الموريتانيين الثلاثة الذين فروا إلى السنغال بعد أن قتلوا أربعة سياح فرنسيين مقربان من الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية التي التحقت بتنظيم القاعدة.
ولكن لأن موريتانيا تعتبر مكاناً مهماً لعمليات التنظيم حيث كانت واحدة من العمليات الأساسية التي نفذتها الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي أصبحت فيما بعد هي العصب الأساسي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ضد وحدات الأمن الموريتاني وكانت واحدة من العلامات الرئيسية على اقتراب السلفية من القاعدة.
ذلك أن الهجوم ضد الفرنسيين هو الأول من نوعه الذي يُشتبه في أن القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هي التي تقف وراءه في موريتانيا، لكنه ليس العملية الأولى لهذا التنظيم في هذه الدولة. إذ شن مسلحون من «الجماعة السلفية»، قبل تحويل اسمها إلى «القاعدة» في 2007،
هجوماً قاده «أمير» المنطقة الصحراوية مختار بالعباس المعروف بـ «الأعور» ضد ثكنة لمغيطي للجيش الموريتاني وقتلوا عشرات الجنود في صيف 2005. ومعروف ان مجموعة «الأعور» تنشط بقوة على طول الحدود بين موريتانيا والسنغال والجزائر ومالي حيث تنشط أيضاً شبكات تهريب البضائع والممنوعات.
وهناك أسباب أساسية هي التي تقف وراء هذه العملية، في مقدمتها أنها تأتي في بداية الموسم السياحي لموريتانيا الأمر الذي يعني أنها تعكس رغبة من القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لتوجيه ضربة قوية للحكومة الموريتانية، وهذه الرغبة تأتي من ثلاثة مصادر، أولها ان هذه الحكومة لا تتسامح مع المجموعات السلفية في موريتانيا،
والثاني أنها تعكس تجربة ديمقراطية مهمة في العالم الإسلامي، بالطبع فان القاعدة ترفض مثل هذه التجارب الديمقراطية لأسباب إيديولوجية وأخرى سياسية في مقدمتها أن مثل هذه التجارب تنزع الشرعية عن التنظيم وممارساته.
أما ثالث هذه المصادر فهو تأكيد القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على أنها مازالت تضع فرنسا في قائمة المستهدفين من عملياتها، وهذا الأمر معلن منذ تأسيس التنظيم فضلاً عن انه كان أحد الأهداف المعلنة للجماعة السلفية للدعوة والقتال قبل الإعلان عن انضمامها لتنظيم القاعدة.
وهناك تحليلات لدى المراقبين المهتمين بالمغرب العربي وخاصة بنشاط القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ترى ان هذه العملية بمثابة إعلان عن تمديد وتوسع نشاط التنظيم وانتقاله من الجزائر كأرض للعمليات إلى كافة مناطق المغرب العربي،
فقد شن التنظيم الذي يعد بمثابة الفرع المغربي للقاعدة هجمات عديدة طوال هذه السنة في الجزائر، لكن لم تُسجّل عمليات مرتبطة به مباشرة في بقية الدول المغاربية. إذ أن عمليات التفجير التي قام بها انتحاريون في الدار البيضاء المغربية في ربيع 2007 بقيت في الإطار المحلي ولم يظهر أن القائمين بها لديهم صلة مباشرة بـ «القاعدة» في الجزائر.
وعلى الرغم من أن أجهزة الأمن المغربية والجزائرية اعتقلت في السابق عدداً من الأشخاص الذين تدربوا في معسكرات الجماعة السلفية في الجزائر. وفي تونس، قتلت أجهزة الأمن مطلع السنة مجموعة من المسلحين الإسلاميين الذين قيل ان بعضهم تلقى أيضاً تدريبات لدى «الجماعة السلفية» في الجزائر.
فقد أعلن في ليبيا، في سبتمبر» الماضي عن انضمام الجماعة الإسلامية المقاتلة إلى صفوف القاعدة، لتكون بذلك ثاني تنظيم «جهادي» مغاربي ينضم رسمياً إليها بعد «الجماعة السلفية» في الجزائر، ولكن
على الرغم من كل ذلك كانت العمليات تتركز بصورة أساسية على الجزائر لأسباب جغرافية ولوجستية، ولكن عملية موريتانيا الأخيرة تعني أن التنظيم قد يكون بصدد مرحلة جديدة تعنى بكل وضوح أن كل دول المغرب العربي قد أصبحت مستهدفة من عملياته.
ويمكن القول ان موريتانيا هي الدولة الأكثر تعرضاً لخطر تنظيم القاعدة، ويرجع ذلك لعدة أسباب الأول أن بها تنظيمات سلفية قديمة كانت فقط تنتظر الدعم المادي أو المعنوي أو اللوجستي، يضاف إلى ذلك أن القاعدة تعتبر موريتانيا هي النقطة الأضعف أمنياً من بين كافة دول المغرب العربي لأسباب جغرافية
ولعدم إمكانية ضبط حدودها مع دول جوارها خاصة الدول جنوب الصحراء وأيضاً لوجود انقسامات إثنية بها تستطيع الجماعات الممارسة للعنف أن تستفيد منها في الهرب والتخفي، وهناك بالطبع زوار فرنسيون على مدار العام يمكن أن يكونوا أهدافاً للعمليات التي ينفذها تنظيم القاعدة.
وبالطبع فان تنفيذ عمليات في موريتانيا يعد مهماً بالنسبة للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لأنها بها تنفي عن نفسها شبهة المحلية الجزائرية في الوقت الذي لا تستطيع أن تنفذ عمليات في بلاد أخرى مثل ليبيا وتونس والمغرب بسبب التشدد الأمني في هذه الدول، وبالتالي أصبحت موريتانيا هي الأكثر تعرضاً لخطر تنظيم القاعدة، وللأسف فان ظروفها الداخلية والظروف الإقليمية تجعلها معرضة لهذا الخطر في الفترة المقبلة.
ومن المفيد الإشارة إلى العديد من النقاط التي تجعل خطر القاعدة ماثلاً في موريتانيا في مقدمتها ان التنظيمات السلفية الموريتانية تعتنق أفكار السلفية الجهادية بعدما تخلت منذ تسعينات القرن الماضي عن أفكار السلفية العلمية، يضاف إلى ذلك أن التنظيمات السلفية الموريتانية وان كان بعضها أسبق في التشكيل عن الجماعة السلفية للدعوة والقتال
إلا أنها تشعر بالولاء الروحي لهذه الأخيرة وتدرك الجماعة السلفية هذا الأمر فتقوم بخطوات من شأنها إشعار الموريتانيين بدورهم الرئيسي داخلها ويبدو ذلك جلياً في التسجيلات التي تبثها على شبكة الانترنت وهو ما يؤكد أنها تضع موريتانيا في مقدمة مستهدفيها في الفترة المقبلة.
كاتب مصري