كان الغذاء والدواء على متن باخرتين تقلان نحو ألفين من حجاج قطاع غزة قد أوشك على النفاد، حين وجدت السلطات المصرية نفسها مجبرة على السماح بدخولهم، والتخلي عن شرط توقيعهم إقراراً بدخول غزة من خلال معبر كرم أبو سالم. هذه الأزمة نموذج لاشتباك السياسة والأخلاق والدين في مركب فريد يميز أغلب أزماتنا العربية ويزيد من صعوبة حلها.
إذ التناقض واضح بين ما تقتضيه الاتفاقيات السياسية التي أبرمتها أطراف عربية مع إسرائيل وعلى رأسها مصر، وبين ما يقتضيه الواجب القومي والديني والأخلاقي والذي يفرض على الشقيق الأكبر ألا يتخلى عن أشقائه وقت الضيق مهما كلفه ذلك من ثمن.
وربما كانت المشاعر الدينية سبباً في حرج مضاعف، فمصر المكبلة باتفاقات مع إسرائيل تمنعها من السماح بمرور أحد عبر معبر رفح المغلق مع القطاع.. لم تستطع أمام طوفان المشاعر الدينية، وأمام جموع أغلبها من الشيوخ والعجائز يرتدون ملابس الإحرام ويهتفون بالتلبية، أن تغلب السياسي على الديني والقومي،
واتخذت قراراً بدخول الحجاج وتقديم التسهيلات لنقلهم عبر أراضيها إلى بيت الله الحرام. ولما حان وقت العودة وجدت نفسها في تناقض لا تحسد عليه، وحاولت حله في عرض البحر وقبل أن يصل حجاج غزة إلى أراضيها، حين حاولت انتزاع موافقتهم بالدخول عبر معبر كرم أبو سالم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون، لكن الحيلة فشلت وبدا أن الإصرار عليها إلى نهاية المطاف يجلب خسائر أكثر
مما يجنب الإحراج، إذ إن إبقاء الباخرتين في عرض البحر وبدء نفاد الدواء والغذاء لدى ركابهما يدفع أجهزة الإعلام العالمية إلى المتابعة لحظة بلحظة، وهو ما يظهر القاهرة في صورة العاجز الذي يستجيب مغمض العينين للشروط الإسرائيلية، أو في صورة المتخلي عن أشقائه في العروبة وإخوته في الدين.. بل وهناك ما هو أبشع ويصطدم مباشرة بإنسانية الدولة وأخلاقها.
إسرائيل من ناحيتها تريد للأزمة أن تصل إلى مداها، فهي ليست معنية بحل مشكلة الحجاج الغزاويين، بقدر ما هي منشغلة بضرورة تحطيم صورة الشقيق الأكبر هذه، والتي تمنح القاهرة كثيراً من مفاتيح المنطقة.. فهي تريد العرب فرادى في حربها ضدهم أو في سلامها معهم، وهي معنية كذلك بتحطيم روابط العروبة ورابط الدين الواحد، رغم اتجارها بهما في الغرب، فهي ترى الرابطتين خطراً على استمرارها في الحياة.
ولذلك فإنه إذا قدر للحجاج أن يدخلوا عبر أحد معابرها، فلن تتوانى عن التنكيل بهم واعتقال عدد منهم حتى وإن لم يكن أي من الحجاج مطلوباً لها، وذلك إمعاناً في الكيد السياسي وكسراً لهيبة مصر، قبل أن يكون تنكيلاً بأعدائها الفلسطينيين.
الآن ما هي سبل الخروج من هذه الأزمة؟
تبدو مصر من يدفع الثمن الأكبر، ومن يتعرض للغمز واللمز عبر أجهزة الإعلام.. كما أنها تعيش تحت وطأة ضغوط إنسانية وأخلاقية لا تحتمل، هذا فضلاً عن حشود المتظاهرين الغزاويين على حدودها والذين يطالبونها بإدخال ذويهم عبر نفس الطريق التي خرجوا منها.. فيما ينسى الجميع الطرف الأساسي في المعادلة والمتمثل في السلطة الفلسطينية،
إذ إن هذه السلطة يفترض أن تعتبر نفسها مسؤولة عن عموم الفلسطينيين ليس فقط في الضفة والقطاع، وإنما في الشتات والمهاجر، إذا كانت تعتبر نفسها الوريث الشرعي والوحيد لمنظمة التحرير.. لكن إمعانها في معاداة حماس يجعلها تنجرف أحياناً إلى معاداة أنصار حماس، مما يجعل تعاملها مع أزمات الغزاويين بارداً،
إذ تعتبره خطوة أخرى في التضييق على الحركة وقلب أنصارها عليها ويبدو أن إقدام مصر على السماح بعودة الحجاج عبر معبر رفح نوع من المغامرة السياسية الخطرة، فإسرائيل أثارت أزمة كبيرة معها لم يهدأ غبارها بعد، بذريعة عدم ضبط الحدود والسماح بتهريب الأسلحة إلى غزة،
واستغلت ذلك في تأليب الولايات المتحدة ودول غربية أخرى على القاهرة، أملاً في نقلها من خانة صديق الغرب المعتدل إلى خانة الطرف الذي يبرز التصالح مع إسرائيل ويكن لها العداوة، كما يعمل من تحت الطاولة لتقوية أعدائها الذين يطلقون عليها الصواريخ.
أزمة حجاج غزة في حاجة إلى موقف جماعي عربي يضع الأمور في نصابها، ويكفل في المستقبل آلية تدخل لحل مشاكل القطاع، وعدم تركه فريسة تحوله إسرائيل والصراعات الفصائلية الفلسطينية إلى قطعة من جهنم.