يقفل هذا العام أواخر أيامه، ليسجل أنه الأسوأ بالنسبة للفلسطينيين وقضيتهم ربما منذ عام 1967، حين احتلت إسرائيل ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية التي جرى احتلال نحو 78% منها في عام 1948، وطرد معظم سكانها الأصليين ليعيش أغلبيتهم في الشتات والمهاجر (نحو خمسة ملايين) وخمسة آخرين يعيشون على أرضهم (5 .2 مليون في الضفة، ومليون ونصف في قطاع غزة، وأقل من مليون ونصف في إسرائيل).
لقد بذلت إسرائيل كل ما في وسعها لكي تجزئ المجزأ الفلسطيني ولضرب ممكنات وحدة الشعب والقضية خصوصاً بعد أن لاحظت أن احتلالها للضفة وغزة والقدس في عام 1967، قد أدى إلى توحيد كل الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية وخلق آليات واقعية وحقيقية للتواصل بما في ذلك الفلسطينيين في داخل دولة إسرائيل مما يمهد لتبلور هوية وطنية نضالية واحدة.
تجلت أبرز محطات هذا التواجد الفلسطيني في انتفاضة يوم الأرض في 30 آذار 1976، الذي أصبح منذ ذلك الوقت يوماً وطنياً لكل الفلسطينيين، وخلال الانتفاضة الشعبية الكبرى التي اندلعت في الثامن من ديسمبر عام 1987، واستمرت نحو ست سنوات تكثف خلالها النضال الفلسطيني في شعار الانتفاضة «الاستقلال والحرية».
على أن إسرائيل التي أذهلها وأخافها ذلك التوحد، وتبلور الهوية الوطنية والنضالية للفلسطينيين، عادت لتتخذ جملة من الإجراءات المتلاحقة للفصل بين مكونات المجتمع الفلسطيني بحيث وضعت قيوداً تمييزية فصلت سكان القدس عن الضفة، وهذه عن غزة، وتلك عن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ عام 1948.
الإجراءات الإسرائيلية التي اتبعت بصورة منهجية ألحقت أضراراً كبيرة لا يستهان بها، بالمجتمع الفلسطيني وهويته النضالية، غير أنها أيضاً أنتجت بديلها بحيث شكلت تلك الإجراءات شكلاً من أشكال التحدي للفلسطينيين نحو مواصلة النضال من أجل تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة والتخلص من الاحتلال، وتحقيق الحرية كمضمون للهوية الفلسطينية التي فشلت إسرائيل في تقويض ركائزها.
بعد وإثر انتفاضة الأقصى في 28 /9/ 2000، وتصاعد أعمال المقاومة الفلسطينية المسلحة، قامت إسرائيل ببناء جدار الفصل العنصري الذي اخترق أراضي الضفة وعزلها عن الأراضي المحتلة منذ عام 1948.
كما عزلها عن القدس، ثم عجلت إسرائيل من عمليات مصادرة الأراضي، وتكثيف الاستيطان كحاجز بشري آخر يكمل وظيفة الفصل، ويحيل الضفة إلى مجموعة من الباتستونات المعزولة بعضها عن بعض.
كان ذلك تمهيداً لتطبيق خطة الفصل أحادي الجانب التي اعتمدتها حكومة شارون الأولى في عام 2001.
وظلت تشكل الوجهة الأساسية للحكومات التي تعاقبت بعد ذلك بما في ذلك حكومة أولمرت الحالية، وكان الخروج من غزة، وتفكيك المستوطنات فيها في سبتمبر 2005، حلقة رئيسية على طريق تنفيذ الخطة في الضفة، تمهيداً لفرض ما أسماه شارون بالحل المرحلي بعيد المدى.
تعطيل الخطة في شهر سبتمبر 2006، إثر فشل الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان في يوليو العام الماضي، لم يؤد إلى استبعادها، وإنما أدى إلى تغيير التكتيكات والمسميات، مع الاحتفاظ بالهدف، بل والإصرار على تنفيذه.
حين غادر شارون غزة عام 2005، أدلى بتصريح متميز كشف فيه عن نوايا حكومته، حيث قال إنه سيترك غزة للفلسطينيين لكي يأكل بعضهم بعضاً. أقل من سنتين على الخروج الإسرائيلي من غزة، وتصريح شارون كان كافياً لتدافع الفلسطينيين المتصارعين على السلطة، نحو الحدث المفصلي الذي يعد الأبرز على الإطلاق والأخطر ليس فقط خلال هذا العام 2007 وإنما منذ عشرات السنوات، وهو تفاقم الاقتتال الداخلي والصراع إلى أن قامت حركة حماس بانقلابها في الرابع من يونيو، والاستيلاء على كل مقرات السلطة، وتحقيق السيطرة بالكامل على قطاع غزة.
وبغض النظر عن مبررات الانقلاب وعن الجدل غير المفيد في توصيف ما وقع، فإن ما جرى شكل انقلاباً شاملاً، وليس عسكرياً فحسب، وأدى إلى انقسام شامل أيضاً ينطوي استمراره وتعمقه على مخاطر وتهديدات قريبة وبعيدة المدى على الفلسطينيين وقضيتهم.
الأشهر الستة الماضية منذ الانقلاب لم تكن عادية على الإطلاق، فلقد أخضع قطاع غزة بالكامل لحصار شديد أدى إلى تدهور الأحوال المعيشية لسكانه، وانهيار الوضع الاقتصادي، وتزايد الفقر إلى ما يزيد على 80% والبطالة إلى أكثر من 37%، مع استمرار تدهور الخدمات بكافة أنواعها وأشكالها.
لقد هاجر ما تبقى من رأس المال الوطني قطاع غزة إلى خارجه، وتلقى القطاع الخاص ضربة حاسمة، حيث جرى إغلاق أو تدمير أكثر من 90% من نحو أربعة آلاف منشأة اقتصادية في قطاع غزة، وارتفعت الأسعار بصورة جنونية، وأصبح قطاع غزة يعيش وضعاً اجتماعياً واقتصادياً مختلفاً تماماً عنه في الضفة الغربية.
وبين الشباب انتعشت الرغبة في مغادرة الوطن وركوب مغامرة الهجرة، واندفعت طاقاتهم الأساسية نحو الفصائل المتعارضة، بحيث أصبحوا جلادين وضحايا، منهم من يحمل السلاح ليقتل أو ليقاوم، وهم أيضاً من يتعرضون للقتل والتنكيل على خلفية الصراع الداخلي.
وعدا عن تداعيات الانقسام الذي يتعمق يوماً بعد الآخر، على القضية الفلسطينية على الصعيدين العربي والأجنبي، والتشوهات التي لحقت بصورة الفلسطيني، والأضرار البليغة التي لحقت بعوامل الصمود في وجه عدوان مستمر ومتصاعد، فإن الانقسام ألحق أضراراً بليغة يصعب معالجتها، بالنسبة للمجتمع الذي تهتك نسيجه وانتشرت فيه ثقافة العنف والإقصاء والتكفير والثأر والانتقام. لقد أدى الانقسام إلى تخريب العائلة الصغيرة، وأطاح بقيم التسامح، والتكافل الاجتماعي والتوحد، وقبول الآخر، والتعددية وحرية الرأي.
وعلى المستوى السياسي، يتكرس يوماً عن الآخر وجود نظامين سياسيين في الضفة وغزة، فهنا وهناك، يوجد حكومة وقضاء وتشريع، مختلفين ومنقسمين عن بعضهما البعض، وهما في حالة تصارع يتخذ أشكالاً عديدة.
وفي ضوء ذلك فإن الخلاف السياسي حول المفاوضة أو المقاومة، وهو خلاف لطالما كان موجوداً في الساحة الفلسطينية، إلا أنه هذه المرة، لا يرمز إلى الحيوية بقدر ما أنه يؤدي إلى إضعاف كل طرف للطرف الآخر بما يؤدي إلى إضعاف الطرفين وتمكين إسرائيل من اللعب على أوتار التناقضات الفلسطينية الداخلية بهدف تعميق الانقسام وإدامته من ناحية، وقطع كل الطرق أمام إمكانية تحقيق هدف الدولة الفلسطينية.
لقد حققت إسرائيل بأيدٍ فلسطينية ما فشلت في تحقيقه بكل الوسائل الأخرى، فالوقائع على الأرض وفي ظل عناد الطرفين المتصارعين حماس وفتح، تمهد لاستكمال خطة الفصل أحادي الجانب الشارونية، وفرض رؤيته (شارون) للحل المرحلي بعيد المدى في أفضل الأحوال، من حيث كونه يرمي إلى إقامة دولة فلسطينية على قطاع غزة ونحو 42% من الضفة، لكن الأسوأ إقامة كيانين منفصلين واحد في غزة والآخر على أقل من نصف أراضي الضفة.
وفي الواقع فإن الممارسات على الأرض، إنما تؤدي إلى حرق ما تبقى من سفن، وقطع ما تبقى من خطوط رجعة، وتباعد بين الطرفين وإمكانية العودة إلى الحوار والوحدة.
تأسيساً على أحداث العام 2007، فإن أمام الفلسطينيين خلال العام المقبل معركتين كبيرتين. الأولى معركة التفاوض التي يقف خلفها المجتمع الدولي الذي ظهر في أنابوليس وباريس، وهي معركة معقدة، طويلة وصعبة، يخوضها الجانب الفلسطيني وهو ضعيف، منقسم على ذاته، مما يشجع إسرائيل على المضي في مخططاتها لإفشال التسوية وقيام دولة فلسطينية.
أما الثانية فتتصل بالانقسام الداخلي الذي لا يحتمل المجتمع الفلسطيني استمراره لعام آخر، وإزاء هذه المعركة «معركة إعادة التوحيد والبناء» هناك خيارات ثلاثة، فإما الحوار وهو صعب في ظل العناد القائم، أو الحل العسكري من قبل طرف ثالث وهذا يخالف المصلحة الإسرائيلية وإما تبلور تيار شعبي قوي ورافض لاستمرار الحال على ما هو عليه، ويبادر لأخذ زمام الأمور والحسم بيده وهو الخيار الواقعي المرجح، والذي تسير نحوه الأوضاع فعلياً.
كاتب فلسطيني