الرسالة الأولى
تُعد مايكروسوفت أكبر شركة لإنتاج البرمجيات في العالم وهي غنية عن التعريف. ولمايكروسوفت فرع رئيسي في أيرلندا تدير من خلاله جميع أفرعها الأخرى في أوروبا وافريقيا والشرق الأوسط، حيث تبلغ العائدات السنوية المحصلة من هذه الأقاليم أكثر 20% من العائد السنوي العام لمايكروسوفت.
وقد يكون معروفاً لدى الكثير منكم أن مايكروسوفت لا تقوم بأعمال تصنيع وتطوير برمجياتها في هذه الأقاليم ـ كما هو الحال في الهند والولايات المتحدة ـ ولكنها تركز هنا على تسويق مبيعاتها من خلال المؤتمرات وورش العمل والتدريب وبرامج خدمة المجتمع إلى غير ذلك من أنشطة تفوق في آثارها الإيجابية أنشطة بعض الدول في كثير من الأحيان.
قبل ثلاث سنوات حصل فرع مايكروسوفت في أيرلندا على جائزة أفضل شركة في الاتحاد الأوروبي من حيث الأداء ورضا الموظفين، وذلك على الرغم من كون موظفي ذلك الفرع ليسوا من الذين تغدق عليهم الأموال كما هو الحال في بعض الأفرع الأخرى أو بعض الشركات الأخرى.
إلا أن سياسة الشركة قد تغني في كثير من الأحيان عن الأموال التي تدفعها لموظفيها، فمن قوانين مايكروسوفت ألا يكرر الموظف عمله كل يوم (إلا في بعض الأعمال الروتينية التي لا مناص من مزاولتها)، والعمل الذي يقوم به الموظف هذه السنة لا يقوم به السنة المقبلة.
ومن حرص مايكروسوفت على توفير كافة سبل الرفاهية لموظفيها، فإنها أنشأت لهم مركزاً صحياً خاصاً بهم يقدم خدماته على مدار الساعة، كما وفرت لموظفيها خدمة العلاج بالإبر الصينية في ذلك المستشفى، الأمر الذي استدعى توظيف أخصائيين في هذا المجال.
وقبل سنوات قامت الشركة أيضاً بإنشاء مركز أسمته «مركز التفكير الإبداعي» حيث جهّز المركز بأحدث الألعاب الإلكترونية التي تنتجها مايكروسوفت من ماركة «X Box» بالإضافة إلى طاولات للبليارد وتلفزيونات تأتي بمعظم القنوات الفضائية، إلى غير ذلك من أمور التسلية والترفيه التي تتوفر للموظفين على مدار الساعة، وما ذلك إلا إيماناً من إدارة الشركة بأن الموظف يحتاج إلى أوقات راحة بين الفينة والأخرى ينسى خلالها العمل ليستعيد نشاطه الذهني والجسدي، ومن ثم يعود ليعطي العمل أكثر مما أخذ منه.
تعد مايكروسوفت مؤسسة ذات هيكلية «مسطحة» إن صح التعبير، فهي لا تؤمن بالتسلسل الهرمي في إدارة القطاعات والأقسام، وتحاول جاهدة أن تضع الموظفين والمديرين في مستويات إدارية قريبة من بعضها البعض للتقليل من البيروقراطية التي قد تكون السبب في خسارة الشركة وتدهور صحتها المالية، فمجال البرمجيات والإنترنت يعد من أكثر المجالات تجدداً وتغيراً، وعلى الراغبين في الاستمرار على قمته أن يجددوا منتجاتهم وخدماتهم بصورة مستمرة وسريعة.
وللحد من البيروقراطية، يقوم كل موظف بتقييم مديره مرتين في السنة، لتتعرف الإدارة العليا على أماكن الخلل في الوظائف المهمة وتقوم بالتالي بالإصلاح في أسرع وقت، فالالتزام يجب أن يأتي من الأعلى والإصلاح يبدأ من قمة الهرم لا من قاعه.
ولأن مايكروسوفت تؤمن بأهمية ودقة عمل المهنيين، فإنها تعطيهم اهتماماً أكبر من الموظفين الآخرين حتى وإن كانوا أعلى رتبة منهم، فالراتب يعطى لصاحب الأثر الأكبر في عمل الشركة وليس لصاحب المكتب الأكبر، لذلك فإنها تخصص لهؤلاء برامج تدريبية وتأهيلية في الوظيفة وفي حياتهم الخاصة أيضاً. ومن نافلة القول بأن نذكر بأن مايكروسوفت تخصص قرابة ستمئة دولار سنوياً لكل موظف للاحتفاء به في إحدى المناسبات السعيدة كعيد ميلاده أو غير ذلك.
الرسالة الثانية
شركة (دريم ووركس Dream Works) هي من أشهر الشركات العالمية في مجال الإخراج السينمائي، ومن أشهر منتجاتها فيلم الكارتون Shrek، كما تعتبر من أقدم الشركات في هذا المجال، حيث تتصدر قائمة شركات الإنتاج السينمائي الكارتوني.
ولأن عمل دريم ووركس قائم على الإبداع والخيال الخصب فإنه يتطلب أن يتمتع موظفوها براحة نفسية واستقرار اجتماعي، لأن الرسام أو المخرج أو الملحن يحتاج أن يكون ذهنه خالياً من منغصات الحياة التي قد تحول بين إبداعه وبين الجالسين في صالات السينما، لذلك تعطي الشركة أهمية كبرى لنفسية الموظف الذي تعتبره المنتج الأول فيها، والذي إن غاب جسدياً أو ذهنياً تكبدت المؤسسة خسائر مالية ليست باليسيرة.
ففي دريم ووركس توجد ملاعب للجولف، وكرة القدم، وكرة السلة، ومسابح، وصالات رياضية بمدربيها، بالإضافة إلى وجود مستشفى خاص بالموظفين وعائلاتهم، ناهيك عن جلسات اليوغا والعلاج الطبيعي التي يقدمها متخصصون في المستشفى... ولأن الشركة تعطي العائلة قيمة عالية، فقد أنشأت في مقرها الرئيسي حضانة للأطفال بالقرب من المطعم، ليستطيع الأب أو الأم أن يجلسا مع طفليهما لتناول الغداء، كما يمكنهما زيارته في الحضانة بين الفينة والأخرى أثناء العمل، ليكون مقر العمل أشبه بالبيت... بل هو البيت في بعض الأحيان.
أما الرسامون فإن لهم النصيب الأكبر من اهتمام الشركة، فإذا دخلت على أحد الرسامين في مكتبه أو قل غرفته إن شئت، فإنك سترى بقايا الطعام متناثرة في أرجائها، وستجد علب المشروبات الغازية ملقاة على الأرض في جو منزلي حميم ـ وإن كان فوضوياً أحياناً ـ أما إذا نظرت إلى الجدران فإنك ستجدها مليئة بصور أشهر الشخصيات الكارتونية التي تنتجها الشركة، وما ذلك إلا لأن الرسامين يستخدمونها لرسم الشخصيات الكرتونية عليها قبل البدء بتصميمها على الكمبيوتر.
وبعد انتهاء الرسامين من مشروع ما، تقوم الشركة ـ بعد موافقتهم ـ بطلاء تلك الجدران لتعيدها بيضاء كما كانت حتى يتمكن الرسامون من أن يبدأوا مشوار فيلم جديد في فضاء ذهني لا تحده الدفاتر وشاشات الكمبيوتر.
الرسالة الثالثة
قد يتضح من قراءتنا لبعض النماذج العالمية أن الإدارة ليست علماً معقداً كالكيمياء أو الفيزياء، وليست طلاسم يتفوه بها الكهان في معابدهم، كما أنها ليست أنظمة وقوانين نهوي بها على رقاب الموظفين كسيوف الجلادين، فلقد آن الأوان أن نتعدى مرحلة قراءة هذه التجارب على صفحات الكتب والمجلات وأن نبدأ خطوة عملية لنقلها إلى مؤسساتنا العربية التي لن تزيدها هذه المبادرات إلا نمواً وتقدماً.
فالإدارة هي تعاملٌ مع البشر كما يتعامل الشخص في بيته ومع أفراد أسرته ولكن في نطاق مختلف قليلاً... والإدارة ليست وسيلة لتحقيق الأرباح بقدر ما هي وسيلة لتحقيق قيمة، ولا يأتي بالقيمة إلا من تتحلى نفسه بمجموعة منها ليصيغ منها أجملها ويضعها في قالب تجاري، نحن في حاجة إلى من يستخرج الأفكار الجديدة من الموظفين، ليضفي عليها بعداً استراتيجياً يعود على المؤسسة بالنفع والفائدة، ونحن في حاجة إلى من يقبل النقد ويفسح المجال لكل رؤية جديدة وكل فكر مستنير.
كاتب إماراتي