أعلنت مجلة «تايم» الأميركية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «شخصية العام» (2007) لجهوده الرامية إلى توطيد الاستقرار وتعزيز دور روسيا في العالم.وترى الصحيفة أن العام الأخير لرئاسة بوتين كان الأكثر نجاحا.وجاء في الصحيفة: «لقد ضمن بوتين لنفسه مستقبله السياسي في السياسة الداخلية أما في السياسة الخارجية ـ فقد وسع دور روسيا وتأثيرها على الوضع في الساحة الدولية وإن لم يكن إيجابيا بعض الأحيان».
وقد تقدم بوتين من حيث الشعبية على بعض الشخصيات المعروفة في العالم مثل النائب السابق للرئيس الأميركي البرت غور والكاتبة البريطانية جوان رولينغ ـ مؤلفة الروايات عن هاري بوتر.
وكان الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف آخر شخصية روسية منحت لقب «شخصية العام» في عام 1987.
ليس من عادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتحدث عن نفسه، ولم يسمع منه أحد حديث شخصي طيلة الأعوام السبعة الماضية من حكمه لروسيا، لقد كان العمل يأخذ كل وقته ليلا ونهارا، وكان أمامه دائما مهام صعبة وشاقة تجعله ينسى التفكير حتى في حياته الخاصة وفي أسرته.
فلقد ورث بوتين من سلفه الرئيس الراحل يلتسين تركة مثقلة بالمشاكل المعقدة لا يستطيع أحد أن يواجهها، كان أمامه اقتصاد شبه منهار لا يعرف أحد أين تذهب موارده، وكان الروبل الروسي قد وصل إلى الحضيض أمام العملات الأخرى.
وكان مستوى معيشة ما يقرب من نصف المواطنين الروس قد هبط تحت مستوى الفقر، وتفشى الفساد والرشوة في كافة أجهزة الدولة ووصل إلى المؤسسة العسكرية، وتدهورت أحوال العلم والمؤسسات العلمية وهرب الآلاف من خيرة علماء روسيا للخارج بحثا عن سبل العيش.
وانتشرت الجريمة في الشوارع في وضح النهار، وسيطرت عصابات المافيا على الأسواق والاقتصاد، وانهارت هيبة روسيا وكرامتها على الساحة الدولية ولم تعد قادرة حتى على الدفاع عن حدودها بينما حلف شمال الأطلسي يزحف ليضم جيرانها لعضويته.
في ظل هذه الأوضاع استلم بوتين تركة الحكم بعد يلتسين، ولم يكن الأمر سهلا أمامه ليس فقط ليبدأ الإصلاح بل حتى لم يكن سهلا ليفكر في أي شكل من أشكال الإصلاح، فقد كان محاطا بنفس المجموعة التي كانت تحيط بالرئيس يلتسين من أقطاب رجال الأعمال والمافيا في روسيا.
وهؤلاء أنفسهم هم الذين اختاروا بوتين ليخلف يلتسين في الحكم اعتقادا منهم بأنه سيكون أداة سهلة في أيديهم، واختاروه شابا رياضيا في منتصف الأربعينات من عمره حتى لا يضعهم بعد ذلك في المأزق الذي وضعهم فيه يلتسين بإدمانه للخمر وصحته المنهارة.
وكان على بوتين أن يرد لهم الجميل ويبقى أداة طيعة في أيديهم، ولكن كيف لهذا الشاب الذي نشأ وترعرع في جهاز الاستخبارات السوفييتية «كي جي بي» وتعلم فيه التفاني والتضحية بكل شيء حتى الحياة نفسها من أجل الوطن، لم يكن لهذا الشاب أن يتحمل ما يراه يحدث في بلاده التي كانت منذ بضع سنوات دولة عظمى تخشاها أعظم وأقوى الدول.
لم يضيع بوتين الوقت وبدأ على الفور عمله الشاق بالتخلص من رؤوس الفساد، وكان أولهم من أجلسوه على كرسي الحكم في الكريملين، وعلى رأسهم الملياردير اليهودي الهارب في لندن بوريس بيرزوفسكي، واستدعى بوتين رجاله المخلصين ليضعهم بجواره ليبدءوا المهمة الصعبة، مهمة إعادة أمجاد روسيا.
ولم يكن أحد يصدق أن هذا الشاب ورفاقه سيستطيعون تحقيق كل هذه الإنجازات في هذا الوقت القياسي من الزمن، لقد كانوا بالفعل أبطالا مخلصين في وطنيتهم وعملهم، وليس غريبا بعد ذلك أن يحوز بوتين ورفاقه هذه الثقة الكبيرة من الشعب.
وأيضا ليس غريبا أن تختاره مجلة «تايم» الأميركية شخصية العام، خاصة وأن نظراءه من القادة في الغرب كان هذا العام بالنسبة لهم ربما الأسوأ في تاريخهم، خاصة منهم من ترك الحكم ومن هو على وشك أن يتركه قريبا.
لقد وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نهوض روسيا بأنه معنى رئيسي لحياته تنازل من أجله عن المصالح الفردية والحياة الشخصية ويعمل «كالخادم للوطن». وقال بوتين في حديث صحفي أدلى به لمجلة «تايم» الأميركية: «أستطيع أن أقول لكم بالتأكيد: لم أشغل هذا المكان للاعتبارات الذاتية ولم أتول الوظيفة من أجل المنصب.
فقد قررت لنفسي أنني مستعد للتضحية بكل شيء في سبيل نهوض بلدي. أي أنني قد قررت أن هذا هو المعنى الرئيسي لكل حياتي.كما قررت أن حياتي الشخصية بالمعنى الواسع للكلمة ومصالحي الفردية قد انتهت عند هذا الحد».
واستبعد بوتين الذي بلغ في العام الجاري الخامسة والخمسين من العمر، أي حديث أمام الصحافيين عن دوره المقبل في البلد رغم أنه منذ أيام قليلة صرح بأنه مستعد لشغل منصب رئيس الوزراء في حال فوز زميله المقرب دميتري ميدفيديف (النائب الأول لرئيس الوزراء) بانتخابات الرئاسة.
وقال بوتين: «لقد وفر القدر لي فرصة لكي ألعب دورا ما إيجابيا في تاريخ شعبي الذي أعتبر نفسي جزءا لا يتجزأ منه والذي أحس دائما بصلة وثيقة تربطني به... ومنذ ذلك الحين أخضعت كل حياتي لتحقيق هذه المهمة».
وأشار بوتين إلى أن مهماته في منصب رئيس الدولة هي بالدرجة الأولى عمل شاق بالنسبة إليه وإنه لا يعتبر نفسه زعيما وطنيا رغم وصفه بهذه الصفة مرارا من قبل أنصاره. وقال «لم أشعر أبدا بأنني زعيم وطني ولا أشعر بذلك اليوم. بل أشعر وكأنني حصان يجر عربة محملة بشحنة ثقيلة. وعليّ أن أعترف بأنني أستمتع بعملي كلما أتقدم بسرعة وفاعلية على هذا الطريق».
من الواضح أن بوتين يحاول ألا يفكر في نفسه كشخصية استثنائية «خارقة» في منصب رئيس الدولة.إنه يرى أن الإنسان عندما يبدأ يفكر في نفسه كشخصية استثنائية أو زعيم أو قائد متميز ما، يفقد حينئذ الصلة بالواقع».
بوتين يعتبر ثقة الناس مقياسا رئيسيا لنجاح جهوده. وتدل استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجراها مركز دراسة الرأي العام في عموم روسيا على أن يحظى بوتين بثقة أكثر من سبعين% من المواطنين الروس.
هذا هو بوتين شخصية العام 2007، وليس من المستبعد أن يكون هو شخصية العام القادم وما يليه أيضا.
كاتب ومحلل سياسي روسي