تميزت الساحة السياسية في العراق عام 2007 بجمود شديد على مختلف الأصعدة، فقد انسحب وزراء ثلاث كتل سياسية من حكومة المالكي، وفشل مجلس النواب العراقي في إغلاق معظم الملفات المفتوحة أمامه، وأبرزها التعديلات في الدستور وقانون المساءلة والعدالة وقانون النفط والغاز.
كما تميزت جلساته بغياب عدد كبير من أعضائه. وتزايدت الخلافات بين مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء حول قضايا أبرزها صلاحية المصادقة على أحكام الإعدام وشرعية بقاء اتفاقية الجزائر الموقعة بين الرئيس العراقي السابق وشاه إيران عام 1975.
وبرزت إلى العلن الخلافات بين إقليم كردستان والحكومة المركزية حول عقود النفط التي وقعتها سلطات الإقليم. وفشلت الحكومة في تلبية استحقاقات المادة 140 من الدستور والخاصة بتطبيع الأوضاع في كركوك وأجلت ذلك مدة ستة أشهر.
إلا أن الوضع الأمني شهد تحسناً ملحوظاً في النصف الثاني من العام، بسبب استراتيجية الرئيس الأميركي الجديدة التي أُرسل بموجبها أكثر من عشرين ألف جندي إضافي إلى العاصمة بغداد، وبسبب اعتماد الولايات المتحدة سياسة جديدة في اختيار الحلفاء.
إلا أن هذا التحسن هش في طبيعته، إذ لم يتأت عن طريق تقدم في العملية السياسية، فجهود المصالحة الوطنية لم تسفر عن نجاح يذكر. وقد ارتبط هذا التحسن في الوضع الأمني ببروز ظاهرتين هامتين بدأتا في هذا العام ولمّا ينته دورهما ومفعولهما فيه، إذ قد تمران بمنعطفات غير متوقعة في العام القادم.
أولى هاتين الظاهرتين هي تشكيل مجالس الصحوة في عدد من محافظات القطر، بدأت في محافظة الأنبار وانتشرت فيما بعد إلى محافظات صلاح الدين والموصل وكركوك وبغداد، ثم بدأت في التشكل مؤخراً في المحافظات الوسطى والجنوبية.
وكانت النجاحات التي تحققت في محافظة الأنبار في طرد مقاتلي القاعدة مدعاة تثمين وإعجاب من قبل الولايات المتحدة، مما حدا بالرئيس الأميركي ليقوم بزيارة خاصة لهذه المحافظة ويلتقي برئيس مجلس الصحوة عبد الستار أبو ريشة الذي اغتيل فيما بعد بحادث تفجير.
وقد تركت مجالس الصحوة، أينما تشكلت، آثاراً إيجابية على حياة المواطن العراقي، فقد وسعت نشاطاتها المساحة الأمنية المتوافرة لديه إلى حد كبير، بعد أن سجلت انتصارات واضحة على مقاتلي القاعدة وعلى عصابات القتل والنهب، ووفرت للأميركيين الكثير من حياة جنودهم وأصبحت الأداة في تحويل فشلهم خلال السنوات الماضية إلى نجاح.
أما الظاهرة الثانية فهي قبول الولايات المتحدة بفتح حوار مع إيران حول الوضع الأمني في العراق، وقد جرت ثلاثة لقاءات على مستوى سفراء الدولتين حتى الآن، كان الطرف العراقي فيها مراقباً وليس فاعلاً. وهذه اللقاءات قد لطفت من غير شك، بعض الشيء، الأجواء الشديدة التوتر التي تسود العلاقة المعقدة بين هاتين الدولتين في ملفات كثيرة، وهي بمثابة اعتراف ضمني من قبل الولايات المتحدة بأهمية الدور الإيراني في العراق.
وتأتي هذه اللقاءات تلبية للتوصيات التي وردت في التقرير الذي قدمته مجموعة دراسة العراق التي تناوب على رئاستها كل من الجمهوري جيمس بيكر والديمقراطي لي هاملتون عام 2006.
لم تترك اللقاءات الثلاثة التي جرت بين الطرفين آثاراً واضحة على الوضع الأمني في العراق، إلا إذا اعتبرنا توقف إيران عن تزويد بعض الميليشيات بالعبوات الناسفة التي ألحقت أضراراً بليغة بالقوات الأميركية، حسب تصريحات صدرت عن مسؤولين أميركيين، وتجميد نشاطات جيش المهدي مدة ستة أشهر قابلة للتمديد إلى فترة أخرى، هي بعض نتائج هذه اللقاءات التي من المنتظر أن تُستأنف قريباً.
الظاهرة الأولى تستحق تسليط المزيد من الضوء عليها لأهميتها على مستقبل العملية السياسية في العراق، فهي مؤشر على تراجع دور المراجع الدينية في التأثير على الشارع العراقي، وتراجع في ثقل الأجندات التي توظف الدين أو المذهب للحصول على مكاسب سياسية. وقد وجدت الولايات المتحدة ضرورة في دعم هذه المجالس التي تجاوز عدد المنتسبين إليها السبعين ألف مقاتل من أبناء العشائر يقودهم ضباط من الجيش العراقي السابق.
ونتيجة النجاحات التي حققتها مجالس الصحوة طفت على السطح بوادر خلافات جديدة داخل المؤسسة الحاكمة في بغداد حول مستقبل هذه القوات غير النظامية، بين دعوتين الأولى تطالب بضمهم جميعاً إلى الأجهزة الأمنية للدولة، وهو ما يدعمه الأميركيون، والثانية لا تنظر بعين الارتياح إلى ما يجري وتتحفظ عليه وتدعو إلى دمج جزئي لهذه القوات لا يتجاوز 20% في أجهزة الأمن.
السياسة الأميركية الجديدة في العراق والتي وضعت ثقلاً كبيراً لصالح دعم العشائر ومجالس الصحوة وتزويدهم بالسلاح والأموال، هي في الحقيقة عودة لسياسة اعتمدتها بريطانيا عند احتلال العراق بُعيد الحرب العالمية الأولى.
فقد وجدت بريطانيا أن نجاحها في العراق يتطلب شق صفوف المؤسسة الشيعية القوية، والتي كان لها الدور الرئيسي في حمل السلاح وقيادة الثورة التي اندلعت في الثلاثين من يونيو عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني.
فالنخب الشيعية التي لها قدرة التأثير على سواد الناس في العراق تتكون في الوقت الحاضر، كما كان الحال إبان ثورة العشرين وبسبب ضعف وتراجع دور المثقفين الليبراليين، من مكونين أساسيين: المراجع الدينية وشيوخ العشائر الكبيرة.
ففي الوقت الذي سعت فيه الحكومة الملكية مدعومة من بريطانيا لتقويض دور المجتهدين والمراجع الدينية، قدمت حوافز سياسية واقتصادية هامة لشيوخ العشائر الكبيرة وكسبتهم إلى جانبها وحولتهم إلى لاعبين مهمين في الساحة السياسية.
وهذا ما يجري في الوقت الحاضر، لعدة أسباب:
1 ـ ترى الولايات المتحدة أن النخب الدينية التي استلمت مقدرات العراق لم تنجح على مدى يقرب من خمس سنوات، في أن تكون حليفاً يُعول عليه في إرساء أوضاع آمنة في العراق. فالنخب الشيعية التي تتزعم الأغلبية في مجلس النواب منقسمة على نفسها وتتنافس بشدة على الزعامة.
وقد احتكمت إلى السلاح في غير مرة لترجيح كفة هذه الزعامة أو تلك، مما أضعفها وأضعف دورها في الساحة السياسية. لذا قد يجد الأميركان في سلطة العشائر التي أثبتت فاعلية على أرض الواقع، مع كل سلبياتها، حليفاً جديداً ينبغي أن يشغل مساحة تتناسب مع أهميته في الخارطة السياسية.
2 ـ ترى الولايات المتحدة أن طموحاتها في بناء شرق أوسط جديد قد تكون أكثر واقعية، إذا وجدت حلفاء ليبراليين أو قريبين من ذلك بدل حَمَلَة أجندة دينية.
3 ـ طبيعة التوازن الاستراتيجي في المنطقة تتطلب وجود عراق بعيد عن نفوذ دول إقليمية.
تتوجس بعض الأطراف المشاركة في العملية السياسية، وبشكل خاص كتلة الائتلاف العراقي الموحد، خيفة من السياسة الأميركية الجديدة في دعم مجالس الصحوات وتحويلهم إلى حلفاء استراتيجيين لها، فذلك يهدد بفقدان المكاسب والمواقع التي حصل عليها المنضوون تحت راية هذه الكتلة.
فقد صرح رئيس المجلس الأعلى الإسلامي عبد العزيز الحكيم بضرورة وضع قيود على مجالس الصحوة ومنعها من أن تكون قوة ثالثة بين الجيش والشرطة، وما لبثت هذه الدعوة أن تردد صداها لدى الحكومة العراقية التي ردد وزير دفاعها في مؤتمر صحاي ما ذهب إليه الحكيم.
إن بقاء حالة الجمود في العملية السياسية ليس في الحقيقة مراوحة في نفس المكان، وإنما هو تصعيد للأزمة وإدمان عليها وإغلاق لمنافذ الخروج منها، وهذا ليس في صالح العراق. نأمل أن تجد النخب السياسية، التي آل إليها مصير العراق، في معاناة العراقيين وصبرهم على مدى السنوات الماضية، مبرراً للتنافس في تقديم التضحيات والتنازلات من أجل التوصل إلى صيغة تعيد للعراق عافيته في العام الجديد.
كاتب عراقي