«وفاة مواطن وآسيوي في حادثين منفصلين»، «وفاة شخص في حادث دهس، وإصابة خمسة في تدهور حافلة»، «دهس امرأة وهي تقطع الشارع».
هذه عناوين بعض الأخبار في صفحة «شؤون محلية» في جريدة «البيان» الغراء، يوم الثلاثاء، أي قبل يومين فقط، أنقلها هنا لأجعلها مدخلاً للموضوع الذي كُتب فيه الكثير، وقيل عنه الكثير أيضاً، لكن يبدو أن الكلام الشفوي والمكتوب يذهب أدراج الرياح، لأن ما يُقال ويُكتب شيء، وما يحدث على أرض الواقع شيء آخر.
هذه العناوين تقول بشكل مباشر إن خمسة أشخاص قد توفوا في يوم واحد، نتيجة حوادث اصطدام ودهس، وهذا الرقم كبير جدا، مع احتمال أن يكون غير دقيق تماما، لأن بعض الحوادث يُنشر عنها بعد وقوعها بيومين، ولكن إذا سلمنا بأن عدد المتوفين خمسة كما هو واضح من العناوين أعلاه فإننا أمام مشكلة كبيرة، إذ أصبحت السيارات بالنسبة لنا وسيلة قتل وليست وسيلة مواصلات.
الذي يسير في شوارعنا يشعر مباشرة أن معظم سائقي السيارات يقودون إما بعصبية، أو باستهتار، أو يتخذون من قيادة السيارات وسيلة تسلية، يستمتعون من خلالها بإزعاج بقية السائقين، أو إرباكهم، وذلك من خلال بعض الممارسات التي لا يصح أن تصدر من أفراد شعب عُرِف بجملة من الخصال الحميدة التي كوّنت له سمعة طيبة عند القريب والبعيد.
لو اطلعنا على تفاصيل الأخبار المتضمنة في العناوين السابقة سنجد أن أسباب معظم تلك الحوادث كانت السرعة الزائدة، التي تعني القيادة باستهتار، وعدم اهتمام بالآخرين؛ فالمواطن الذي توفي في الخبر الأول توفي بسبب السرعة الزائدة من قِبَله، ومن قِبَل الطرف الثاني الذي اصطدم معه، وقد أصيب بإصابات بليغة، وأدخل غرفة العناية المركزة.
وكذلك الآسيوي الذي توفي، كانت السرعة الزائدة من قِبَل سائق السيارة التي دهسته سببا، بالإضافة إلى عبوره الشارع من غير المكان المخصص لذلك.والخمسة الذين أصيبوا بإصابات تراوحت بين المتوسطة والبسيطة، كانت السرعة الزائدة هي السبب في ما تعرضوا له.
أما المرأة الصومالية التي كانت تقطع الشارع في أمان، ودهسها شاب مواطن في المنطقة الكائنة خلف الجيمي مول، فلم يوضح الخبر سبب حادث الدهس، ولكن من الواضح أن السائق الشاب كان بإمكانه التحكم في الوضع لو كانت سرعته معقولة، أما وقد دهسها فلا أرى سببا لذلك غير السرعة الزائدة التي حالت بينه وبين القدرة على التفكير في كيفية التصرف أو تجنب الحادث.
المشكلة أن بعض السائقين لا يفكرون في أنفسهم ولا يفكرون في الآخرين، ويقودون بسرعة واستهتار وكأنهم سيفقدون شيئا ما إن لم يستعجلوا، أو كأن كائنا ما غير مرئي يستعجل كل سيارة في شوارعنا، فنجد الجميع في عجلة لا نعرف لها تفسيرا منطقيا.
في الليلة نفسها التي دُهِسَت فيها المرأة الصومالية خلف الجيمي مول، كنتُ هناك مع عدد من أفراد أسرتي، وكنتُ ألاحظ وأنتقد - كعادتي- طريقة بعض السائقين في القيادة في مثل تلك الأماكن التي تغص بالناس، من مختلف الفئات العمرية، وأستغرب من سرعة بعضهم في مكان لا تجب فيه السرعة إطلاقا.
فقد يركض طفل هاربا من قبضة والده أو والدته وهو لا يفكر في أي شيء غير الركض فقط، وهذا سلوك نجده كثيرا عند الأطفال الصغار في مثل هذه الأماكن، فكيف يمكن أن يتصرف السائق المسرع إن ظهر له طفل في لحظة ما، -هذا إن رآه-، لأن معظم الأطفال الذين يهربون بهذه الطريقة لا يكادون يُرون بالنسبة للسائق، لصغر أحجامهم.
الاحتمالات الأخرى واردة أيضا، كأن يُفاجأ السائق بشخص يمشي وهو سارح الذهن، أو بشخص غير سوي عقليا، أو غير هذه الاحتمالات، فما الذي يستطيع فعله إن كانت سرعته زائدة؟..الأغلب أنه لن يستطيع التحكم في مركبته، وسيكون سببا في حادث كان بإمكانه تجنبه إن كان ملتزما بالسرعة المسموحة.
طبعا الشخص السارح الذهن أو أهل الشخص غير السوي عقليا سيكونون أيضا سببا في الحادث، والمطلوب أن يعرف كل فرد في المجتمع دوره ويقوم به، وأن يعرف كذلك حدوده ويلتزم بها، وهذا ما سيساعدنا في الوصول إلى مجتمع آمن على هذا الصعيد.
الأمر نفسه يُقال عن سائقي سيارات الأجرة،..هم دائما في عجلة، ولا أعرف إن كان لذلك علاقة بمفهوم الرزق عندهم، أو إن كان له سر ما في عُرفهم.
إن سائق سيارة الأجرة مستعجل دائما، سواء كان فارغا أو غير فارغ؛ فإن كان فارغا فإنه في عجلة ليجد راكبا، وإن كان غير فارغ فإنه في عجلة كي يوصل هذا الراكب ثم يبحث عن غيره، وفي كل الأحوال علينا أن نتجنب أن نكون أمام سيارة أجرة، في الدوارات، أو على الإشارات، لأن المطلوب منا أن نرمي بأنفسنا في التهلكة كي يرحمونا ويكفوا عنا أبواق سياراتهم المزعجة.
أو أن نضع سدادات في آذاننا حتى ندخل الدوار دون توتر، أو حتى نتحرك عندما تتحول الإشارة إلى اللون الأخضر فعلا، وليس عندما تتوقف حركة السيارات من بقية الاتجاهات بما معناه أن الإشارة التي نقف عليها ستصبح خضراء خلال ثوان.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، أود أن أتوجه في نهاية مقالتي هذه التي تدور حول موضوع القيادة والتهور والاستهتار باستفهام إلى الجهات المعنية عن التصرف السليم الذي يجب أن تقوم به سائقة السيارة إن تعرضت لإزعاج من قِبَل سيارة أخرى أثناء قيادتها سيارتها.
وأستشهد هنا بموقف تعرضتُ له شخصيا خلال انتقالي من مدينة لمدينة، أي على مدى ساعة تقريبا، إذ تعرضتُ لإزعاج مقصود من قِبَل سيارة كان صاحبها يتعمد الاقتراب من سيارتي إلى الدرجة التي تشعرني أنه سيصطدم بها، فاضطررتُ للمرة الأولى للابتعاد، ثم انتبهتُ إلى أنه يضحك.
وتكررت الحركة عدة مرات، فكنتُ أحيانا أبطئ السرعة، وأحيانا أزيد السرعة مع أنني أكره ذلك، لكنه كان في كل الأحوال يكيف سرعته وفقا لسرعتي، وحين فكرت في الاتصال بالشرطة لم أعرف الرقم الذي يجب أن أتصل به، خصوصا أنني في خط خارجي وبين إمارتين مختلفتين، فلجأت للاستعلامات، ولكنهم أعطوني رقما لهاتف أرضي لم يجبني عليه أحد، لأن الوقت كان مساء.
تجاهلت الموضوع، ولكنه كان مصرا على إزعاجي واستفزازي، لذلك عاودت الاتصال بالاستعلامات حتى حصلت على الرقم الصحيح، ولكن الشرطي الذي أجابني قال إنهم لا يستطيعون فعل شيء طالما لم يحدث «حادث» بالفعل، وهو جواب مقبول إلى حد ما.
ومتوقع جدا، ولكني سألته: هل أبقى تحت هذا الضغط النفسي حتى أتعرض بالفعل لحادث بسببه، ثم يبدأ دور الشرطة؟ ولكنه قال بأدب جم إنه لا توجد لديه صلاحيات للتعامل مع مثل هذه الحالات، وقد احترمت رده وشكرته وأنهيت المكالمة.
أعتقد أن مثل هذه الحالات، التي تتكرر كثيرا، تتطلب قرارا يضع مثل هؤلاء المستهترين عند حدود لا يستطيعون تجاوزها، وإذا كان دور الشرطة في مثل هذه الحالات لا يبدأ إلا عندما يحدث الحادث بالفعل، فمعنى هذا أننا سنظل نقود سياراتنا بتوتر كلما ظهر لنا شخص مزعج، ولن نفكر في اللجوء إلى الشرطة التي هي في خدمة الشعب، ونحن - النساء- جزء كبير من الشعب، لأنها لن تفعل لنا شيئا.
كما سيمارس المزعجون دورهم في إزعاج الآخرين والأخريات دون خوف من حساب أو عقاب، لأنهم يظنون أنهم قادرون على الإزعاج والتخويف دون مساس المركبة أو تعريضها لحادث حقيقي، وهو أمر غير مضمون دائماً.
جامعة الإمارات