تشكل المياه بالنسبة لبلدان الشرق الأوسط ثروة إستراتيجية لا بد منها بالنسبة للسكان الذين يتزايد عددهم بإيقاع كبير وأيضا بالنسبة لري الأراضي القاحلة والفقيرة غالبا. وتتمثل إحدى الأوراق الرابحة الأكيدة بيد تركيا في ثروتها المائية الغزيرة في أراضيها بينما تعاني البلدان المجاورة لها.
إن تركيا تمتلك ثروات مائية هائلة بوجود سلسلة جبال طوروس التي يبلغ طولها 1000 كيلو متر وتغطيها الثلوج الكثيفة طيلة فصل الشتاء؛ وأيضا بوجود أنهار كبيرة تقع أحواضها بالكامل داخل الحدود التركية في منطقة الأناضول. ويتم عادة تقديم تركيا على انها «خزّان مياه الشرق الأوسط» .
وعلى خلفية إدراكها لأهمية ثرواتها وإنها قد تصبح البلد الوحيد في العالم المصدّر للمياه فإنها تحاول تحويل هذه الورقة إلى ميزة اقتصادية ودبلوماسية.
على الصعيد الداخلي بدأت تركيا بتنفيذ مشاريع كبيرة أهمها مشروع جنوب ـ شرق الأناضول . وهو عبارة عن مجموعة متكاملة من الأعمال المائية التي تهدف إلى ازدهار منطقة جنوب ـ شرق تركيا على مساحة تبلغ حوالي 75000 كيلو متر مربّع.وعندما ستكتمل الأعمال سيكون هناك 23 سدا و19 محطة لتوليد الكهرباء على مجرى نهري دجلة والفرات.
هكذا سيتم «امتصاص» ما بين 17 و34 بالمائة من منسوب النهرين مما سيولّد إشكاليات كبيرة مع سورية والعراق اللتين لا تكفّان عن الاحتجاج ضد هذه القرارات التركية وتعتبرانها من جانب واحد كما تؤدي إلى نقص كبير في منسوب مياه النهرين في أراضيهما.
الكلفة العامة للمشروع التركي باهظة إذ يتم تقديرها عند نهاية الأعمال ـ كانت مرتقبة لعام2005 تكن يبدو انه قد جرى دفع تاريخ الانتهاء إلى عام2010ـ بحوالي 33 مليار دولار ،بالإضافة إلى 10 مليار دولار تقريبا للأعمال الملحقة.
العديد من المراقبين يلمحون وجود خلفيات سياسية لهذا المشروع الذي يرمي إلى تطوير اقتصاد المنطقة من اجل إيجاد تسوية سلمية للمسألة الكردية. وإذا كان ذلك سيساعد على ذلك ،وهذا مأمول، فإنه لا ينبغي مع ذلك الذهاب بعيدا في الأوهام، فحلّ الملف الكردي لا يمكن اختزاله للأبعاد الاقتصادية فقط.
على الصعيد الخارجي، كان الرئيس التركي الأسبق تورغوت اوزال قد تحدث منذ نهاية سنوات الثمانيات عن بناء «خط مياه أنابيب السلام» ـ كان المقصود في الواقع هو مد قناتين مائيتين ـ يمكن بواسطته تزويد منطقة شبه الجزيرة العربية بمياه الشرب .
ولم تشأ الدول العربية آنذاك متابعة المشروع، خشية أن تستخدم تركيا القناتان المائيتان كوسيلة ضغط سياسي . وبانتظار التهدئة المفترضة للتوترات الإقليمية برزت عدة أفكار جديدة . لقد فكّر الأتراك مثلا بنقل مياه نهر مانافغات، القريب من السواحل ويصب في البحر بالقرب من انتاليا، إلى إسرائيل بواسطة سفن ـ صهاريج او بواسطة حاويات عائمة مقطورة.
وجرى التفكير أيضا بمشاريع انطلاقا من السدود الكبرى في الوسط وشمال طوروس بحيث يتم جر جزء من مياه نهر الفرات إلى المملكة العربية السعودية والى الإمارات العربية المتحدة .
وكان ذلك يقتضي الحصول على الضوء الأخضر من سورية والعراق، أي ما كان يتضمن أيضا عدم حرمان هاتين الدولتين من المياه التي لا بد منها بنظرهما من اجل تنميتهما. هذه الأمثلة كلها تؤكد فكرة أن المياه الغزيرة في تركيا تستحق جيدا تسمية «الذهب الأزرق».
تجسّد أحد أول هذه المشاريع المائية بقرار إسرائيل منذ فترة استيراد المياه من تركيا بواسطة حاويات ـ صهاريج . وكان قد تمّ التوصل إلى توقيع العقد بعد سلسلة من المتغيرات الطارئة ابتداء من صيف عام 1999 .
إذ ظهرت خلافات بين أنصار تعميق الروابط الإستراتيجية مع تركيا وبين أولئك الذين اعتبروا إن استقلال إسرائيل في ميدان الطاقة يشكل مبدأ غير قابل للتفاوض.وبعد أخذ وردّ أعلن ارييل شارون بتاريخ 6 أغسطس ـ آب من عام 2002 إن إسرائيل سوف تستورد مليار متر مكعّب من المياه من تركيا خلال العشرين سنة القادمة.
هذا يعني أن العقد ينصّ على استيراد 50 مليون متر مكعّب من المياه سنويا، أي ما يمُّل نسبة 5,2 بالمائة من استهلاك المياه العذبة في إسرائيل، وبقيمة مليار دولار على الأقل.لكن كان لا بد من الانتظار حتى عام 2004 كي تصادق الحكومة الإسرائيلية على المشروع مقابل شراء تركيا لأسلحة إسرائيلية ،كما أشارت صحيفة «جيروزاليم بوست» بتاريخ 4 يناير ـ كانون الثاني 2004 .
مع ذلك كانت المفاجأة الأخيرة هي تجميد الاتفاق في شهر مايو ـ ايار 2006 بسبب زيادة الأسعار على قاعدة الارتفاع الهائل لأسعار برميل النفط وبالتالي أسعار النقل؛ وأيضا بسبب زيادة سعر المياه نفسها إثر خصخصة منشآت معالجة مياه مانافغات.
إن دول الشرق الأوسط إذا أرادت إبعاد طيف « حروب المياه» ـ القليلة الاحتمال نظرا للتفوق العسكري التركي ـ فإنه من مصلحتها أن تقيم بأقصر فترة سوقا مشتركة للمصادر المائية . تركيا، من جهتها، بحاجة إلى موافقة جيرانها كي تبيع المياه بسعر جيد، وذلك من اجل تجنب ضياع هذه المياه هدرا وكي تستعيد بعض كلفة السدود .
لا شك ان فكرة القيام بأعمال مائية كبرى كقاعدة للتعاون هي فكرة طموحة، لكن من الملحّ ان تفرض نفسها في السنوات القادمة كضرورة حيوية. وبالتأكيد سوف يصبح الذهب الأزرق في القرن الحادي والعشرين كما كان عليه الذهب الأسود في القرن الماضي.
من المفهوم أن تستفيد تركيا في هذا الميدان من ورقة رابحة استثنائية كي توطد سياستها الإقليمية . ومن جهة أخرى يبدو من الواضح جدا مدى الأهميّة الاقتصادية والسياسية لهذه الملفّات بالنسبة للاتحاد الأوروبي .
اقتصاديا بسبب قدرته على تقديم قسم من رؤوس الأموال الضرورية لإنجاز العديد من المشاريع المائية؛ وسياسيا بسبب إمكانية مساهمته في تقديم مقاربة متوازنة للمستقبل الإقليمي . وهناك سبب إضافي يتعلٌّق بالنظر إلى مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في إطار استشرافي على المدى الطويل وفي منظور جيوسياسي يتجاوز إطار حدود الأناضول.
كاتب فرنسي