طالما أن لكل شيء أصل ومستقر، فإن على دعاة الفكرة الهادفة إلى إقرار تسوية ديمقراطية في «كل فلسطين» في الوقت الراهن، الاعتراف بفضل الرواد الأوائل لهذه الفكرة. وبين هؤلاء معظم قيادات السياسية الفلسطينية بين مفتتح القرن العشرين ومنتصفه.
ولعله من باب الاستقامة الأخلاقية أن يعتذر بعض أصحاب الفكرة الآن من أسلافهم مرتين. مرة لأنهم ينسبون لأنفسهم البحث عن حلول ديمقراطية شاملة يعود مصدرها التاريخي إلى من وسموهم باللاديمقراطية والانغلاق والرفض الأجوف للتسويات المرحلية، ومرة لأنهم يسيئون التعامل مع هذه الحلول بتحريفها عن مواضعها وشروطها وظروفها ومعطياتها اللازمة.
كان الأجداد فيما يظهر أكثر وعياً لهذه النواحي من الأحفاد، فحينما عطفوا على فلسطين دولة لكل مواطنيها الأصليين والتمثيل المتساوي بحسب النسب السكانية، إنما كانوا يقطعون الطريق على الحل العنصري الذي حملته الصهيونية السياسية إلى البلاد، متشوفين المصير المأساوي الذي ينطوي عليه هذا الحل.
ولم يكن خيارهم ذاك، الديمقراطي في جوهره، معروضاً بلا سقف زمني وفي كل الأحوال، بل كان مشروطاً بالتعجيل به، ولاسيما في مراحل الانتداب الأولية، قبل أن تغرق البلاد تحت موجات الغزو السكاني اليهودي الصهيوني، وقبل أن تختل الموازين والمعادلات الداخلية السكانية بالذات لمصلحة العنصر اليهودي.
علينا أن نلاحظ بصيغة أخرى كيف كان الطرح الفلسطيني لما أصبح يسمي بعد عقود بالدولة الديمقراطية الواحدة، مشروطاً بوقف الجانب الصهيوني لاستيراد مواطنين يهود من الخارج، ونبذ فكرة القومية اليهودية الساعية للقطيعة والانفصال بعد اختطاف فلسطين كاملة في الحد الأقصى، أو اقتسامها في الحد الأدنى المرحلي.
مؤدي ذلك أن فلسطين الواحدة لكل مواطنيها الأقحاح، المتساوين سياسياً والمعترف لهم بالحقوق الدينية والروحية والثقافية المتمايزة، كانت تبدوا هدفاً جائز التحقق في ظل معطيات بعينها.. أهمها في ذلك الوقت، الحالة السكانية الخارجة توا من عباءة العهد العثماني، علاوة على العقد الثقافي الفكري السياسي الاقتصادي الراسخ في تقاليد هذه الحالة، وعدم تجذر الحل الصهيوني بعد.
وهذا الفهم يفسر إلى حد بالغ، ابتعاد القيادة الفلسطينية عن الإيمان بإمكان تطبيق هذا الحل واستشعارها خطورته على (عروبة البلاد) بالتدريج كلما رأت أفواج المستوطنين يعززون الشطر اليهودي. كان الانطلاق من (الوضع الراهن) بين يدي نهاية الحكم العثماني وبداية الانتداب، أول وأهم شروط الوفاء بفلسطين الديمقراطية والعربية في آن، وتضاءلت فرص هذا الحل بالاختفاء المتواتر لهذا الوضع، والانقلاب الذي أحدثه التحالف البريطاني الصهيوني في حيثياته من جميع المناحي.
فبفعل هذا الانقلاب، ذهبت فلسطين إلى طريق آخر، طريق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الصريح. وبمرور الوقت وتوالي المستجدات، بات التفكير في فلسطين الديمقراطية بمضمون وهوية عربية حتى بصيغة الثنائية القومية، قضية بعيدة المنال.
وفي مناسبة استحضار الحل الذي نادي به الأجداد والصراع في بداياته، تتداعى للخاطر المقارنة الجارية بين الحالة الفلسطينية ونموذج جنوب أفريقيا. فالتسوية التي انتهى إليها هذا النموذج في التسعينات، كانت محتملة بقوة بالنسبة إلى هذه الحالة في عشرينات أو ثلاثينات القرن الماضي على الأكثر، فيما لو جنح الجانب اليهودي لنبذ الصهيونية.
فبشيء من التأمل، ندرك أن مشكلة جنوب أفريقيا كانت تتعلق بـ (دمقرطة) النظام السياسي وتحقيق المساواة، بأكثر مما تتصل برفض الأفارقة لوجود المستوطنين البيض أو وقف الغزو الاستيطاني الأبيض. لقد توقف كل من الرفض الأفريقي والغزو الأبيض منذ أجل بعيد.
ودارت المعركة فقط تقريباً حول طبيعة النظام المطلوب، ومن المعروف أنها حسمت حين تم التوافق على هذه المسألة. وواضح أن القيادة الفلسطينية تطلعت إلى تسوية على هذا النمط، لكن ذلك جرى في سياق استبصرت فيها إمكان مرور هذه التسوية، قبل أن ينحاز الشطر اليهودي في فلسطين إلى الحل الصهيوني الانعزالي ويحصل من خلاله على ما يتصورها منجزات أبدية لا سبيل للنكوص عنها.
وفي كل الأحوال، يبقي الطرف الفلسطيني سباقاً في سعيه إلى الحل الديمقراطي وفي استطلاعه للتعقيدات الناجمة عن الميول الانعزالية للصهيونية تحت زعم القومية الخاصة. غير أن ما غاب عن ذهن الأجداد قديماً، ويتجاهله نسبياً دعاة الثنائية القومية حالياً، التداعيات الحقيقية لهذه الميول التي انعكست على يهود العالم، الأوروبيون منهم بخاصة، وعلى يهود فلسطين أنفسهم عند البداية، ثم على المستوطنين اليهود لاحقاً.
لقد أفسدت الصهيونية الحلول الأخرى لما دعي بالمسألة اليهودية.. الحل الليبرالي الرأسمالي الديمقراطي، والحل الاشتراكي. ولا ندري لم يثر البعض بين الحين والحين، تصور نجاح البدائل الادماجية الديمقراطية بمعظم عناوينها في فلسطين على نحو استثنائي، وقد فشلت في الأوطان الأم لليهود .. علماً بأنه في فلسطين بالذات بلغ التيار الانفصالي اليهودي في ظل الصهيونية أوجه، واتخذ منحى إجرامياً وخلف في المجتمع الفلسطيني (العربي) الأصل جراحاً غائرة، قد لا تواتيها أو تعالجها العودة للحل الأدماجي.
والراهن، أن الحل الصهيوني، على تخلفه وإجراميته وسيره عكس التيار الإنساني، مازال يعمل ويفعل فعله، وما كينته قوية مسيطرة في فلسطين وتسعى إلى استقطاب أنصار. وعندما سئل نتانياهو أخيراً عن أفضل أسلوب يواجه به اليهود أية مشاكل محتملة في «أوطانهم» أجاب: «الهجرة إلى إسرائيل».
وفي معرض النمذجة والمحاكاة، لا يصح قياس الحالة الفلسطينية اليهودية على حالة جنوب أفريقيا إلا بحذر شديد، لكن هذا القياس يفقد صدقيته أكثر بكثير عند إثارة الأمثلة الناجحة للدول ثنائية القومية كالمثالين السويسري والبلجيكي. أولاً، لأن معظم هذه الأمثلة، تعمل في أوروبا. وهي المجال الجغرافي الحضاري السياسي نفسه الذي أنتج المسألة اليهودية المزعومة أو الحقيقية.
فإذا كان اليهود قومية، ألم يكن من الأسهل اجتراح التعامل معهم من منطلق الدول ثنائية القومية، الناجحة هناك؟ لماذا نعيد نقلهم ليمارسوا هذه الدولة مع الشركاء الفلسطينيين خلف أعالي البحار بعد حروب ضروس؟ وثانياً، لآن الأمثلة المستشهد بها في العادة، نشأت في محيط حضاري ثقافي عام واحد بين شركاء مختلفين نسبياً لا جذرياً، كما هو الأمر بين الشريكين المفترضين في فلسطين.
هذا هو الحال بين عناصر الدولة السويسرية أو البلجيكية، وليس هنا مقام التفاصيل. وثالثاً، لأن المساعي إلى ما يشبه هذه المقارنة، فشلت سابقاً في فلسطين نفسها ومنها مشروع التقسيم مع اتحاد اقتصادي (1947). ورابعاً، لأن هناك أمثلة للفشل الذريع لهذا النموذج، فلماذا يعتد بالأمثلة الناجحة لا غير؟.
ان أسهل رد لدعوة الثنائية القومية في شأن فلسطين، هو القائل بأن حلولاً أقل تعقيداً وأكثر يسراً، كالصيغ القائمة الآن (مدريد وأوسلو مثلاً) لم يقدر لها النجاح، فكيف بدعوة تروم تخلي الجانب الذي يعتبر نفسه متفوقاً منتصراً، عن مكتسباته طواعية؟ وهو رد معقول على الأقل في الوقت الراهن.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
