قبل عقود كتب شاعر العربية الكبير محمود درويش قصيدته الرائعه «مديح الظل العالي»، ولعله وقتها كان يستشرف مستقبلا أدركنا وأدركه، لكن كثيرين لم يصدقوا الصورة البشعة التي رسم بها الولايات المتحدة الأميركية، وتصوروا حينها أنها عداوة شاعر يقف في المعسكر المعادي.

يقول درويش: «وأميركا على الأسوار /تهدي كل طفل لعبة للموت عنقودية / يا هيروشيما العاشق العربي / أميركا هي الطاعون / والطاعون أميركا»، غير أن الصورة نفسها تبدو اليوم عاجزة عن إدراك الأوصاف الحقيقية لأفعال واشنطن، إذ تبدو حتى لأصدقائها أكثر فتكا من الطاعون.

على امتداد عقود منذ سطر درويش رائعته وحتى قبل سنوات قلائل كان هناك مثقفون عرب يدافعون عن الرؤى الأميركية، وظلت لحججهم بعض وجاهة حتى كشفت واشنطن عن وجهها تماما وأحرقت تلك الغلالة التي كانت تتيح للرائي أن يضفي بعض خيال يمنح لمسة إنسانية لوجه يبدو خاليا منها.

وبمعزل عن الخوض في تاريخ أميركا وغزواتها التي زادت عن مئتي غزوة، وعن التذكير بأنها أول وآخر من استخدم القنبلة الذرية، فإن أفعال الشهور والسنوات القليلة التي عايشناها ورأيناها رأي العين تكفي لوضعها في سجل الدول التي أجرمت بحق الإنسانية، اعتمادا على منطق أن القوة العسكرية هي الإله الوحيد لهذا الكون، وغير متعظة بمصائر إمبراطوريات كانت أشد عتوا. . وكيف يتعظ من يعتبر نفسه في عداوة مع التاريخ؟!

وحتى إذا نحينا جانبا هولوكوست القرن الواحد والعشرين الذي تجلى في غوانتانامو وأبو غريب وعشرات السجون السرية، والتقطنا من بضعة شهور سابقة فهذا يكفي.

في لبنان مثلا كان السياسيون قاب قوسين أو أدنى من إبرام اتفاق، إذ جرى الانتهاء من الخطوط العريضة، ولم تتبق الا تفاصيل صغيرة تركوها لفقهاء قانونيين، وحين غادر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بيروت قبل أكثر من أسبوعين تحدث عن نصف نصر وأبدى أملا في أن يعود بعد أيام للتهنئة بإكماله.

غير أن اليد الأميركية السوداء تدخلت في اللحظة الحاسمة لتعيد الأمور إلى المربع الأول، ويضرب عرض الحائط بالتفاهم مع المعارضة التي تمثل نصف الشعب اللبناني، إذ أن انتخاب رئيس بالآلية التي جرى الاتفاق عليها كان يحمي لبنان من مغبة التدخل في شؤونه، وواشنطن لا تريد بلدا محصنا ضد ضغوطها، ولا رئيسا يتسامح مع امتلاك المقاومة اللبنانية لسلاحها حتى ينقضي الصراع مع إسرائيل.

وتعرف أميركا أنها بذلك تسلم لبنان للمجهول أو تضعه على حافة حرب أهلية جديدة، لكنها تستمر في غيها.

في الملف الفلسطيني تلعب واشنطن نفس اللعبة، إذ أنها انقضت على الاجماع الوطني الفلسطيني الذي تحقق بعد سنوات من النضال المشترك، ومن الصراع السياسي النزيه بين تنظيمات الداخل والخارج، وتهيأ الأمر لأن يذهب الفلسطينيون موحدين باتجاه تسوية تعيد الحد الأدنى من الحقوق، وتتيح نهاية لصراع طال أمده وعطل مسيرة التنمية كما أحدث استقطابات مريرة في المنطقة.

فبدأ الدس بين طرفي المعادلة فتح وحماس واستمرأت واشنطن لعبة الوقيعة عبر اختلاق معلومات والدفع بأتباع إلى ممارسات تثير حفيظة الشريك الوطني، ومارست أميركا كما هائلا من الضغوط على أطراف عربية لعزل حكومة شرعية جاءت بها الانتخابات في سلوك يندر بالمنطقة، فكان مؤتمر أنابوليس ثم مؤتمر المانحين في باريس الذي لوح بسبعة مليارات دولار شرط أن تنقض السلطة على شريك الكفاح الوطني، في وصفة جديدة لتخريب القضية وتحويلها من صراع مع إسرائيل إلى اقتتال داخلي لانهاية له.

وباستثناء الأموال العربية التي منحت عن طيب خاطر، فإن هناك شكا في أن يصل سنت واحد إلى الفلسطينيين إلا بعد تحقق الشروط التي تجعل الفلسطيني مجرد تابع ذليل يتحرك في الأطر التي رسمها اليمين الإسرائيلي وحظيت بمباركة اليمين الأميركي الحاكم، ولأن إسرائيل غضبت من الوعد بإقامة دولة فلسطينية قبل غروب شمس عام 2008، فقد جرى على عجل سحب قرار من مجلس الأمن كان يوثق وعود أنابوليس ويمنحها طابعا أمميا، كما جرى مط الموعد من دولة في غضون عام إلى حل في غضون سبع سنوات.

من إذن صاحب اليد السوداء الذي ينشر القلاقل في المنطقة ويريدها مفتوحة على صراعات ابدية؟ ربما يكمن الجواب في بقية قصيدة مديح الظل العالي دون تجن على الدولة التي ترفع رايات المساواة فيما تنشر الظلم ويتغنى ساستها بالسلام فيما يتعيشون من مخلفات الحروب، ويديرون نخب الصداقة فيما تحتوي الكؤوس خمرا من دماء البشر.

magdishendi@hotmail.com