حين يبدأ العد التنازلي لانتهاء السنة الميلادية يتكئ المواطن أينما كان في هذا البلد المعطاء على وسادته ليعيد النظر في مشواره كفرد في هذا البناء الشاهق في الارتفاع والضارب في الأعماق، ويعود بذاكرته إلى أحداث العام المنكمش، يبحث عن انجازاته الشخصية وانجازاته الوطنية ويتطلع إلى الغد كإنسان يحلم بالتوازي مع اتجاهات القيادة والحكومة في إحداث نقلة نوعية متينة في مراحل التنمية على مختلف الأصعدة.

ويتطلع في الوقت نفسه إلى مشروعه الخاص الذي يمكن أن يحقق له موقعا في منظومة البناء والاقتصاد، ويأمل إلى إثبات نفسه بامتياز في إطار الواقعية وليس المثالية الأفلاطونية، ويخطط أن يساهم في تفعيل الشعارات في حلمه الجموح عن طريق التوطين ومحاربة الغلاء ورفع المعاناة عن الغير، وإصلاح الخلل في التركيبة السكانية، والتصدي للفساد وإنكاره، وكلما أمعن البحث عن مجالات ليساهم في رفعة الوطن تتفتق أمامه أجندات من المشروعات المستقبلية التي تنتظر تحقيق انجاز غير مسبوق رغم سنوات التجربة والخبرة، وهنا مربط الفرس.

فالمواطن الذي يحاول أن يطور من إمكاناته من خلال استثمار الفرص المتاحة عادة ما يواجه بضغوطات تحبط عزيمته ويمكن أن تقذف به في بحر من الديون وتفتح عليه أبواب الخيبة، وكثيرا ما يلعب المواطن دور المتفرج في عملية الاقتصاد والثراء، بل لعله مولع بهذا الدور نتيجة استحواذ بعض الأجانب على الكثير من مكتسبات الانفتاح الاقتصادي، فيكتفي بالنزر اليسير ويترك الجمل بما حمل.

وإذا عدنا لقراءة هذا الواقع الصعب سنجده يعيش مكبل بسلاسل وقيود تحد من مغامراته في تكوين منجزه الشخصي، لأنه إذا فكر أن يقترض من أجل مشروعه الخاص فلن يستطيع بالتالي أن يقترض من أجل بناء المسكن أو الزواج أو غيرها من متطلبات الحياة الضرورية، وإذا حاول أن يقف ضد التيار ويصمم على صعود الموجة فلن يصمد طويلا في ظل ميزانية محدودة وربما يكون مصيره في أفضل الحالات الإفلاس وحفظ ماء الوجه دون أن يذهب ضحية الشيكات بدون رصيد.

إذن يعيش بعضنا في دوامة كلما هبّ لتغيير الواقع المحبط لا يجد منفذا لهذا التغيير قد يساهم في احداث فرق في ظل تمتعه بحقوق المواطنة، لذا يظل ينتشي كلما سمع عن تلك الزيادات التي يمكن أن ترفع من راتبه الشهري بحيث يتمكن من مواجهة الوضع الاقتصادي ولكن مع غول الغلاء المستشري تظل أكبر آماله وتطلعاته في أن يعيش مستورا ويتمكن من توفير متطلبات أسرته اليومية.

وبالتالي يتبخر حلمه في الادخار والتوفير، فكيف به إذا واجه ظرفا استثنائيا يمكن أن يقلب حياته رأسا على عقب فماذا يفعل لو احترق بيته أو تساقط سقف الغرفة الوحيدة التي تأويه مع عياله، ومن يمكن أن يداوي جراحه أو يحتضن أسرته الكبيرة من الشتات، هل هناك من يعمل على مواجهة الحالات الطارئة وينتشله من الضياع.

وكأن دوامة الحياة لا تنتهي عند البعض فالذين يعانون من عدم توفر المسكن المناسب والبيئة الصحية المناسبة يظلّون يتوارثون هذه المعاناة، وكلما بحثنا عن الفئة التي يقع عليها العبء الأكبر سنجد أنهم من الشباب الذين تكبلهم أوضاعهم المعيشية لدرجة قد تفسد عليهم بهجة الأعياد أو المناسبات السعيدة، فماذا ننتظر من أولئك المكلومين بالخيبة، هل تتحقق تطلعاتهم في أعوام قادمة ويخرجون إلى رخاء الحياة.

«المواطن الغلبان» المصطلح الذي يمكن أن يطلق على من لا يجد حيلة في تغيير مستوى معيشته ولا تتاح له الفرص للخروج من عنق الزجاجة، وحين يحاصر بالأعباء القاصمة للظهر لا يترك له مجالا كي يحلم بمستقبل أفضل من حاضره، وإذا كان الواقع يرفض الاعتراف بأن هناك مواطنا غلبانا من الأساس أو من واقع الرغبة في رؤية مواطن جسور قادر على احداث طفرة شخصية في وضعه دون أن يلجأ إلى الديون أو الانحراف.

فإن فكرة تعزيز بناء الإنسان لا بد أن يتوافر لها شروط، ولعل تساوي الفرص هي من أهم مقومات هذا المواطن وبدونها لا يمكن أن نقفز فوق السياج دون جراح، وحتى على مستوى الوضع النفسي فإن المواطن إذا لم يجد من يرمم نفسيته في حالة وقوع الظلم فإنه يصبح مع الوقت «أكثر غلبا».

في النقاش الأخير للمجلس الوطني وتحديدا في جلسة مناقشة سياسة هيئة المعاشات والتأمينات الاجتماعية كان لمداخلات بعض النواب وقعا مختلفا حيث أشار بعضهم إلى فئة «الموظفين الغلابة» وهم شريحة كبيرة تطالب بإزاحة الغموض عن وضعها في موضوع زيادة الرواتب الحكومة الاتحادية، وتساءلوا كيف لا تسمح الهيئة للمتقاعد بالجمع بين معاشه التقاعدي وعمله في مكان آخر إلا في حدود 9 آلاف درهم بينما هناك مسؤولون وموظفون حكوميون يملكون مؤسسات فهل هذا عدل أن يحرم الموظفون الغلابة من تحسين أوضاعهم؟

ما أكثر وجوه «المعاناة» التي يمكن أن نرى فيها المواطن متربعا ولكن دائما ما يكون المظهر هو الحكم، وكلها في حقيقة الأمر قشور قد تساهم في تعزيز معنى الآية الكريمة «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف» فهل يأتي يوم يخرج المواطن الغلبان من قمقمه، ويحظى باهتمام أكبر من خلال تحقيق رفاهية غير مربوطة براتبه الشهري.

كاتبة إماراتية