يبدو المشهد بشأن الصحراء الغربية وكأن المسألة عادت مرة أخرى إلى المربع رقم واحد، وهو موقف ليس مفهوما في ظل تفاوض الطرفين المتصارعين معا وإقدامهما على جولة جديدة من المفاوضات مقرر لها أن تعقد قريبا تحت رعاية الأمم المتحدة.
فمن جهة عقدت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) مؤتمرها الثاني عشر في منطقة تفاريتي في الصحراء الغربية، وسط احتجاجات من المغرب الذي اعتبر انعقاد المؤتمر في هذه المنطقة تهديدا للمفاوضات المقررة بينهما بداية العام المقبل.
وقد استهل الأمين العام للجبهة محمد عبد العزيز الجلسة الافتتاحية للمؤتمر بالتأكيد على أن الكفاح المسلح هو «حق مشروع للصحراويين»، واعتبر أن ما تقوم به بوليساريو «حرب تحرير عادلة ستتواصل حتى تحقيق أهدافها النبيلة، مهما يكن الوقت الذي يتطلبه ذلك وأيا كانت مناورات المستعمرين وأيا كانت أشكال الكفاح التي تتيحها القرارات الدولية» على حد قوله.
وقد حضر المؤتمر الذي استمر ستة أيام، بعد أن تم تمديده ليوم إضافي لبحث العودة مرة أخرى لحمل السلاح، أكثر من ألفي عضو من أعضاء الجبهة، حيث كانت هذه هي المرة الأولى التي تدرج فيها مسألة العودة لحمل السلاح في وجه السلطات المغربية، ضمن استراتيجية الجبهة منذ 16 عاما.
وكانت هي المرة الثانية التي تعقد فيها جبهة بوليساريو مؤتمرها في ما تسميها «الأراضي المحررة» للصحراء الغربية بعد مؤتمر عام 2003، منذ تأسيسها عام 1973، حيث عقدت المؤتمرات السابقة في مخيمات اللاجئين الصحراويين قرب مدينة تيندوف الجزائرية التي تعتبر مقرا للبوليساريو.
ومن جهة ثانية طالبت الحكومة المغربية الأمم المتحدة بالتدخل لمنع انعقاد المؤتمر في تيفاريتي التي تعتبرها الرباط «منطقة عازلة» في الصحراء الغربية، بينما تعتبرها البوليساريو منطقة محررة. واعتبر وزير الخارجية المغربي الطيب الفاسي الفهري، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أن انعقاد هذا المؤتمر يشكل انتهاكا جديدا لوقف إطلاق النار الساري منذ 1991.
مشيرا إلى أن المؤتمر «يهدد استقرار منطقة المغرب العربي كما يهدد المحادثات المقررة الشهر القادم بين الجانبين». واتهم الوزير المغربي بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية بالسلبية، لعدم تعاملها مع إعلان جبهة البوليساريو تنظيم مؤتمرها في المنطقة العازلة.
من خلال هذه المؤشرات يستطيع المراقب تصور أن الموقف في الصحراء الغربية على وشك الانفجار، ولكن هذا التصور لا يصمد أمام حقيقة واقعية هي أن الطرفين الأساسيين في المسألة الصحراوية يستعدان لجولة جديدة من المفاوضات من المقرر لها أن تعقد أوائل الشهر القادم.
من هنا فان التحليل الأقرب الى الدقة هو أن ما تقوم به بوليساريو يستهدف امرأ آخر غير التصعيد العسكري، وهو تحسين شروط التفاوض بالنسبة لوفدها الذي سيجلس مع الدبلوماسيين المغاربة بعد أيام. فالمتابع للشأن الصحراوي لن يجد أي عناء في اكتشاف أن الجانب الصحراوي يدخل المفاوضات وهو غير مسلح بأية أوراق تفاوضية يستطيع بها أن يساوم الطرف الآخر.
بل ويمكن القول إن المغرب حقق خلال السنتين الماضيتين اختراقات في معقل بوليساريو، برجوع عدد من رموز المنظمة إلى المغرب وحصولهم على مناصب رسمية في الدولة. بل يمكن القول إن المغرب نجح في خلق كيان مواز لبوليساريو موال لها تماما، يريد أن يصور للعالم انه الممثل الحقيقي للشعب الصحراوي، أطلق عليه اسم المجلس الاستشاري الملكي للشؤون الصحراوية، وهو مكون من شيوخ وزعماء قبائل صحراوية ومنتسبين سابقين إلى البوليساريو.
وقد عقد هذا المجلس اجتماعا بالتزامن مع مؤتمر بوليساريو من اجل الحيلولة دون أن تتركز الأضواء على مؤتمر بوليساريو، ويبدو أن هناك صوتا صحراويا مختلفا. وبالفعل جاءت تصريحات ولد الرشيد حول ما اسماه بانتفاضة شيوخ وزعماء قبائل صحراوية منتسبين إلى بوليساريو ضد جمود موقفها، مؤشراً إلى انهيار القاعدة الشعبية في مخيمات تيندوف، فيما اعتبر أن التلويح بخيار الحرب يكرّس انهيار بوليساريو دبلوماسيا.
وكل هذه الخطوات تعد نوعا من الحرب الباردة بين الطرفين، وتدخل في سياق مناورات ما قبل المفاوضات أكثر من كونها تعبر عن مواقف جدية من الطرفين المتفاوضين. ونستطيع أن نقول إن بوليساريو هي بالذات الأكثر حرصا على هذه المناورات الرمزية، لأنه لم تعد لديها أية أوراق للتفاوض، اللهم إلا ما تطرحه من مقولات حول حق تقرير المصير وتصفية الاستعمار وتطبيق قرارات الأمم المتحدة.
وكل هذه المقولات لها أهمية لكنها تتطلب أوراقا تدفع الطرف الآخر إلى تطبيقها، وهذا الأمر هو ما تفتقده المنظمة في الوقت الراهن. فالبوليساريو تعاني منذ عدة أعوام ومنذ انتهاء الحرب الباردة، من مشكلات كبيرة هي التي دفعتها إلى وقف القتال، وهي التي أرغمتها على الدخول في المفاوضات سواء المباشرة أم غير المباشرة، وآخرها المفاوضات التي تعقد تحت رعاية الأمم المتحدة.
وبالطبع فان الأطراف المتفاوضة تدخل المفاوضات وهى تعرف الأوراق المتاحة لدى كل منها، وهذا الأمر يعني أن المغرب يدرك بالتأكيد الوضع الحقيقي لبوليساريو، ويدرك أيضا التعقيدات اللوجستية والعسكرية التي تواجهها، ويعرف حدود الخيارات العسكرية التي يمكن لها أن تنفذها إذا ما اختارت العودة مرة أخرى للخيار العسكري، مع الوضع في الاعتبار أن قرار المؤتمر لا يمكن تنفيذه بين يوم وليلة وإنما يتطلب فترة من الوقت هي الفترة المطلوبة للمناورة داخل المفاوضات.
من هذا الوضع نستطيع القول إن الرسالة المتضمنة في قرارات المؤتمر الذي عقدته بوليساريو، موجهة إلى طرف آخر غير المغرب، لكنه يمكن أن يؤثر في المفاوضات، وهو هنا الأطراف الدولية التي تريد التوصل إلى تسوية للمسألة الصحراوية، لان الوضع المتوتر في منطقة المغرب العربي يؤثر على أمنها ومصالحها.
ونحدد هنا طرفين هما الولايات المتحدة التي تتأثر بنشاط تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والثاني الدول الأوروبية التي ترتبط مصالحها الأمنية بالأمن في منطقة شمال أفريقيا. فهل وصلت الرسالة الصحراوية إلى الأطراف المعنية؟ هذا ما ستجيب عنه تطورات الجولة القادمة من المفاوضات.
كاتب مصري