هل صحيح أن 19% من المسلحين الأجانب في العراق من أصل ليبي؟ إذا صحت التقارير التي أعدتها كلية وست بوينت العسكرية، فهذا يدل على أن نسبة المسلحين الليبيين يأتون في الدرجة الثانية بعد المسلحين السعوديين الذين يشكلون وفق الإحصائيات الأميركية ما يقارب من الـ 41% من بين المتواجدين هناك على خط النار!
مسألة تستحق الاهتمام!
كنا نعتقد أنهم قد يأتون من أي مكان آخر إلا من ليبيا. وكنا نتصور بأنهم سعوديون وسوريون وأفغان ومغاربة وجزائريون ويمنيون وسودانيون وعراقيون. فنسبة 19 بالمئة ليست بالنسبة القليلة. وربما تضاعفت النسبة لاحقا. لكن السؤال لماذا الليبيون وكيف وصلوا هناك؟
لا شك أن الإعلام العربي ما زال مغلقا في بعض البلدان العربية، وذلك لعدة أسباب ولكن من ضمنها عدم إلقاء الضوء على أي جماعة معارضة أو مسلحة وبالتالي تقديم الدعاية لها على طبق من ذهب، ومحاولة تهميشها وإعطاء الانطباع العام بأن البلد يعيش حالة من التوافق والأمن ولا توجد أي معارضة ضد نظام الحكم القائم.
والحقيقة أن هذه السياسة سلاح ذو حدين. فمحاولة تهميشهم تمنحهم الوقت الكافي لتنظيم أنفسهم وللعمل بسرية وصمت. بينما إلقاء الضوء عليهم إعلاميا يلعب دورا كبيرا في فك شفراتهم وتمييزهم وسرعة ملاحقتهم ومتابعة تطورهم وبالتالي تحجيمهم أو القضاء عليهم.
فعلى سبيل المثال، لم يكن أحد يعرف مدى تنظيم وتركيبة وإمكانيات وقوة وعدد المنتسبين إلى تنظيم (فتح الإسلام) في لبنان إلا بعد أن بدأ الإعلام يتحرى عن وجودهم وبعد أن أصبح من الصعب جدا شطبهم من الخارطة برصاصة واحدة. وبلا شك فإن أجهزة التحري العربية بالتعاون مع نظيرتها الغربية لم تعد غافلة عن أي تجمع يزيد على اثنين! وكما رأينا فإن تشتيت شمل تنظيم فتح الإسلام كلف لبنان وجيرانها غاليا.
وسوف يكلفها في المستقبل أكثر بكثير بعد أن تعيد ترتيب عناصرها. فمن المعروف عن المجموعات التي ترتدي الفكر الإسلامي وتحمل راية الإسلام ـ سواء اتفقنا معها أم لم نتفق على الطريقة ـ من الصعب جدا القضاء عليها.
وأنها سرعان ما تعيد تنظيم نفسها من جديد، كما أنه من الصعب جدا إقناعها بالاندماج في النظام القائم أن لم يكن نظامها هي. وهذا ما حصل لتنظيم طالبان بعد غزو أفغانستان. فالكل تصور أنها كانت الضربة القاضية تحت بطش قاذفات الـ «بي 52» وأن طالبان قد مسحت من على الخارطة إلى الأبد. وإذا بنا نفاجأ بعد فترة قصيرة جدا إعادة تنظيم وحداتها وقوتها وبدأت تضرب من جديد. والأمر نفسه حصل مع تنظيم القاعدة.
وعندما نعود من جديد إلى الفترة التي بدأ التحدث فيها عن الإرهاب الإسلامي بالتحديد وعن محاربة الإرهاب بشكل عام، كان عدد التنظيمات سواء كانت إرهابية حسب زعم السياسة الأميركية أو المقاومة حسب الأفكار العلمانية أو الجهادية طبقا لمعتقدات التنظيمات الإسلامية، كان عددها محصورا ومحدودا.
وتفجرت إلى عشرات التنظيمات بعد ضرب أفغانستان وإلى المئات بعد غزو العراق. واكتشفت لها خلايا نشطة في كل مكان من العالم وصلت إلى عمق أوروبا. بينما وجدت لها بيئة ملائمة للتكاثر في المناطق الساخنة والمضطربة من العالم.
وحاول الكثيرون التعتيم عليها وكان هذا خطأ فادحا. فهو أشبه بتعتيم الطبيب على المريض عن خطورة المرض الذي أصابه. كما أن الأسلوب والطريقة التي اختارتها الدول العظمى لمحاربة هذه التنظيمات يشبه قيام الطبيب بقطع العضو المصاب بينما يمكن معالجته بطريقة أخرى.
خاصة وأن نسبة كبيرة من المقاتلين هؤلاء أصحاب مهن متخصصة وراقية، كالمهندسين والأطباء وأساتذة المدارس. أي أنهم ليسوا من رعاع الناس الذين يتم اختيارهم من بيئات فقيرة ولا يملكون وعيا كاملا أو مستعدين أن يساقوا إلى أي مسلخ مقابل حفنة من الدولارات.
واليوم تتحدث التقارير الأميركية عن وجود ملحوظ وخطير لمواطنين من ليبيا يعملون جنبا إلى جنب مع عناصر تنظيم القاعدة وتنظيمات أخرى في مواجهة قوات التحالف. وهذا التنظيم أطلق على نفسه «المجموعة الليبية المقاتلة»، ولا شك أن لهم رؤوسا مدبرة وأماكن تجمع ودعم مالي وشبكات متخصصة ومراكز تدريب متطورة. فهم ليسوا وليدة العبث.
وبالطبع فإن كيفية وصول هذه المجموعات إلى العراق تطرح عدة أسئلة عن مدى التعاون بين عدة أطراف داخلية وخارجية تسهل عملية التنقل لهم. فلم يعد اليوم من الصعب على أي جهة أو سلطة حكومية متابعة خط سير أي فرد يمر عبر حدودها أو ينطلق منها أو يصل إليها أو يغادرها أو يخرج منها.
فهؤلاء غادروا ليبيا ومروا ربما بالحدود المصرية أوالسورية أو اللبنانية أو الأردنية أو السعودية ووصلوا أخيرا إلى هناك. وحيث أن معظم المساحات الجغرافية والحدود الدولية التي تفصل ليبيا عن العراق يستحيل معها التنقل على الأقدام دون ملاحظتها، فهؤلاء بالتأكيد استخدموا وسائل نقل حديثة ومتطورة.
ترى كم جهة غير رسمية سهلت وأخرى ساعدت وثالثة غطت على انتقال وتنقل هؤلاء بهذه السرعة المدهشة عبر هذه المساحات الشاسعة. وهذا أمر يثير الرعب والدهشة معا. الرعب، لأنهم وصلوا إلى درجة من التنظيم؛
حيث لم تستطع كل التحريات الدولية تحديد مواقعهم وتنقلاتهم. والدهشة، لأن هؤلاء استطاعوا أن يحققوا حلم الوحدة بين شعوب الدول العربية والإسلامية قبلنا، وألغوا الحدود قبلنا، وكونوا جيشا مشتركا قبلنا، واتفقوا على كلمة واحدة قبلنا، وألغوا الفوارق الطبقية والجنسيات قبلنا أيضا.
إن وجود أفراد من الجنسية الليبية بالذات على شكل مقاتلين ومسلحين على أرض العراق يدا بيد مع عناصر من تنظيم القاعدة في مواجهة التحالف، مسألة تحتاج إلى دراسة جادة. لأن معظم هؤلاء يكررون اليوم ما قام به أسلافهم في أفغانستان من قبل. حيث وجدوا فيها بيئة ملائمة للتدريب واستخدام السلاح والتنظيم والتخطيط لعملياتهم وعقد الاتفاقات مع تنظيمات أخرى واستقطاب وتسجيل مشتركين جدد.
ولا شك أنهم يرمون إلى توسيع نطاق عملياتهم خارج نطاق العراق انطلاقا من هذه البؤرة. وإذا كانت لهم بؤر أخرى نشطة وعلنية في أفغانستان وباكستان والسعودية واليمن، فلا شك أن لهم أيضاً عددا مماثلا، لكن كامنا في دول أخرى بانتظار إشارة الانطلاق. نحن نواجه أزمة كبيرة وخطيرة جدا. والحل ليس بأسهل من الأزمة نفسها.
وكل الحلول المطروحة على الساحة غير مقبولة من أحد الأطراف. والتدخلات الغربية تزيد الطين بلة. فمعظم هذه التنظيمات تحارب بهدف إخراج الكفار من أرض المسلمين ومنعهم من التدخل في شؤونه وقراراتهم. وكلما حاول الغرب أن يبسط هيمنته على المنطقة كلما تضاعفت المنظمات المناهضة لسياساته ووجوده.
والمعركة بين المتحاربين لم تحسم بعد. وحسمها أيضا يحتاج إلى وقت طويل جدا. إن هؤلاء يعتقدون في صميمهم أن الغرب مهما بلغ من قوته وجبروته لن يستطيع الانتصار عليهم لأنهم أولا على حق ولأنهم ثانيا مستعدون للموت في أي مكان حتى ولو كانوا ليبيين يقاتلون في العراق لوقف مخطط الصليبيين ضد المسلمين.
والغرب يتصور بأنه من السهل القضاء على شرذمة من المقاتلين لا تملك سلاحا متطورا ولا دبابة ولا أسطولا ولا مقاتلات حربية ولا حتى خبراء حرب. وهذا يذكرنا بالفيلم الكارتوني (Ant.Z) الذي يصور فيه حربا شنتها احدى مستعمرات النمل ضد مستعمرة حشرات عملاقة بهدف السيطرة على موقعها الاستراتيجي وتوسيع حدودها السياسية والاستيلاء على مدخرات المستعمرة الأخرى وممتلكاتها وخيراتها. وكانت النتيجة ما كانت. إننا في انتظار الجزء الثاني من الفيلم..
جامعة الإمارات