عشرون يوماً تفصل بين المؤتمرين التوأم الأول في أنابوليس بدعوة من الرئيس جورج بوش وتحت إشرافه والثاني في باريس بدعوة من الرئيس نيكولا ساركوزي وتحت إشرافه، ويستهدف استكمال ما بدأ في أنابوليس لبلورة الجهد الدولي الذي تولد بعد أعوام طويلة من الصراع والمحاولات اليائسة لرسم صورة أخرى للشرق الأوسط الذي تلتقي عنده، وتتصارع عليه استراتيجيات ومصالح معظم الفاعلين الدوليين.
في أنابوليس جرى إقرار الإطار العام، وصياغة المعادلات العامة للبعدين السياسي والأمني لمستقبل المفاوضات التي ينبغي أن تنتهي خلال العام المقبل، بتنفيذ رؤية الدولتين التي طرحها بوش منذ بضع سنوات، فخارطة الطريق هي الإطار العام الذي يضبط ويسير حركة المفاوضات، ويحقق الأمن لإسرائيل، ويتدحرج في خلق الوقائع نحو الوصول إلى دولة فلسطينية، بضمانة الرقابة المباشرة من الولايات المتحدة، ومن خلفها الرباعية الدولية.
من أنابوليس انطلقت صافرة البدء لمفاوضات صعبة وعسيرة، يجتهد خلالها الإسرائيليون لتعطيلها أكثر مما يجتهدون لإنجاحها ودفعها، ويجتهد خلالها الفلسطينيون لتجنيد المجتمع الدولي، من أجل تخفيف الضغوطات الإسرائيلية، للمساعدة في تخفيف وطأة عملية الابتزاز، ولتمكين السلطة من تنفيذ ما يترتب عليها من التزامات بما في ذلك ضبط الأمن وتوفيره للجانبين على ضفتي الصراع.
بعد أنابوليس وانطلاقاً بما أقره، جرت جولة مفاوضات واحدة في الموعد المحدد وهو الثاني عشر من الجاري في القدس، لم تمكن من تجاوز عقبة القرار الحكومي الإسرائيلي بمبادرة بناء ثلاثمئة وسبع وحدات سكنية في جبل أبو غنيم، وما رافقها في حينه من تصعيد عدواني إسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، كان مؤشراً سلبياً لما يمكن أن يكون عليه في حال ومستقبل المفاوضات.
التعليقات الدولية، خصوصاً من الفاعلين الأساسيين، سواء الولايات المتحدة أو أوروبا، لم تعكس الجدية اللازمة والحزم المطلوب لردع عملية تعطيل المفاوضات منذ بداياتها، ولم تتراجع إسرائيل من تلقاء نفسها، فيما امتنع الفلسطينيون عن رفع مستوى احتجاجهم إلى حد مقاطعة الجلسة الأولى للمفاوضات وربما كان لسان حالهم يقول «لا حق العيار حتى باب الدار».
مؤتمر باريس الذي فاض حضوره عمن ذهبوا إلى أنابوليس، استهدف استكمال الصورة، سواء من حيث تأكيد وتوسيع الإرادة الدولية الدافعة لعملية السلام، أو من حيث استعداد العالم لتأمين المتطلبات المادية لبناء اقتصاد الدولة الفلسطينية ولتأكيد مصداقية المجتمع الدولي إزاء تحقيق ما يسعى إليه.
خطاب الرئيس ساركوزي في المؤتمر كان مهماً من حيث تجديد التزام المجتمع الدولي بالتوصل إلى تطبيق رؤية الدولتين، وتأكيداً لذلك جرى تغيير اسم المؤتمر، ليصبح مفهوماً أن ما يقرره يتصل بالمساعدة في إقامة دولة فلسطينية، كما دعا نصاً إسرائيل إلى تجميد الاستيطان، والتوجه للمفاوضات بنوايا صادقة لإنهاء الاحتلال الذي بدأ في عام 1967.
وفي التفاتة واضحة، أكد ساركوزي إلى أن الدولة الفلسطينية العتيدة لن تكون بمعزل عن قطاع غزة، وربما لذلك، قدم مبادرته بتشكيل قوة دولية تحت عنوان مساعدة السلطة الفلسطينية في إعادة بناء مؤسساتها الأمنية وتعزيز قدرتها على فرض الأمن.
الفلسطينيون في باريس حققوا أكثر مما توقعوا وطالبوا بالحصول عليه، ومن باب التأكيد على مدى مراهنة المجتمع الدولي إزاء إمكانية تحقيق السلام خلال العام المقبل، اتخذ المؤتمر قراراً بدعم اقتصاد الدولة الفلسطينية بنحو سبعة مليارات وأربعمئة مليون دولار بدلاً عن خمسة مليارات وستمئة مليون دولار أرادتها حكومة الدكتور سلام فياض لتغطية خطتها التطويرية والتشغيلية للأعوام الثلاث القادمة من 2008 إلى 2010.
الرئيس محمود عباس أبدى في مؤتمر باريس جدية واضحة إزاء التمسك بالحقوق والثوابت الفلسطينية كما فعل في أنابوليس، وطالب كالعادة إسرائيل بالوفاء بالالتزامات التي تنص عليها خارطة الطريق، كما يفعل الفلسطينيون.
واللافت للنظر أن الرئيس محمود عباس، وساركوزي، لم يهملا الواقع الفلسطيني الذي نشأ بعد انقلاب حركة حماس وسيطرتها على قطاع غزة، إذ بدا واضحاً أن حديث الرئيس الفرنسي عن أن الدولة الفلسطينية تشمل قطاع غزة، مرتبط بحديثه عن القوات الدولية بمساعدة السلطة الفلسطينية.
أما الرئيس عباس فقد أكد التزام السلطة بمسؤولياتها عن كل الفلسطينيين بما في ذلك قطاع غزة، حين جدد رفضه للخضوع لشروط الأمر الواقع الذي أنشأته حركة حماس، فيما أكد أن قطاع غزة سيحصل على أكثر من نصف المبالغ والموازنات التي تحصل عليها السلطة وتقررها.
كما أعلن موافقته على اقتراح ساركوزي بشأن القوى الدولية، ليس فقط من باب المساعدة في إنهاء الوضع الفلسطيني الشاذ، ولكن بالاستفادة من ذلك المبرر، لإدخال المجتمع الدولي على خط الصراع مع إسرائيل عبر وجود قوات دولية، ظلت إسرائيل ترفض وجودها.
ما جرى في باريس يشكل نجاحاً للفلسطينيين، غير أن هذا النجاح مرهون إلى حد كبير بجملة من العوامل الهامة والفاعلة أولها: ما إذا كانت الإرادة الدولية الواسعة التي ازدهرت في أنابوليس وتطورت وتعززت في باريس، ستوفر إرادة التدخل على خط المفاوضات والضغط من أجل إرغام إسرائيل على تعديل وجهتها ورؤيتها للسلام أم لا.
فلقد سبق أن تدفقت على مناطق السلطة الوطنية منذ عام 1994 أمولاً كثيرة، غير أن إسرائيل دمرت معظم ما تم بناؤه وإنجازه من مرافق ومؤسسات إنتاجية وخدمية.
وفي الحقيقة فإن العامل الإسرائيلي هو الأهم من بين العوامل الأخرى ذلك أن حكومة أولمرت أظهرت اعتراضاتها بالممارسة العملية عبر تصعيد عدوانها على الفلسطينيين بعد أنابوليس لمعاودة البناء الاستيطاني في القدس، وفي اليوم الذي انعقد فيه مؤتمر باريس عبر معاودة الحفر بالقرب من باب المغاربة في القدس، وعبر عمليات اغتيال أسقطت اثني عشر مقاوماً فلسطينياً في غزة خلال أقل من أربع وعشرين ساعة.
التصعيد الإسرائيلي المتزامن لا يستهدف الاعتراض فقط وإنما يستهدف استدراج الفلسطينيين المعارضين للقيام بردات فعل، توظفها إسرائيل كمبررات للادعاء بعدم قدرة السلطة على السيطرة والوفاء بالتزاماتها، وبما يعزز من ويلاتها، لقطع الطريق أمام إمكانية إقامة دولة فلسطينية.
خصوصاً وأن إسرائيل تلعب دوراً أساسياً ومباشراً في إبقاء وتعميق الانقسام الفلسطيني. فلقد أعلنت حركة الجهاد الإسلامي عزمها الفوري للعمليات الاستشهادية في إسرائيل رداً على اغتيال عدد من قادتها وكوادرها المقاتلة.
أما ثاني هذه العوامل فهو فلسطيني حيث أعلن الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري، موقف الحركة برفض كل ما جاء في خطاب عباس، وبالتمسك بموقف الحركة الرافض للحوار المشروط، وأيضا لإرسال قوات دولية. هو قال إن حركته ستقاوم هذه القوات.
بالإضافة إلى إعلانه باسم الحركة رفض تطبيق الخطة الاقتصادية والتنموية والإصلاحية التي قدرتها حكومة الدكتور سلام فياض ولاقت ترحيباً ودعماً دولياً قوياً في باريس، ملخصاً كل ذلك بالقول إن ما جرى في باريس هو إعلان حرب على حماس.
وفي الواقع فإن ردود فعل المعارضة الفلسطينية التي تمثلها أساساً حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لا تقف عند حدود رفض تطبيق الخطة الاقتصادية وإنما يمكن أن تذهب إلى حد تصعيد المقاومة والاشتباك مع إسرائيل عبر وسائل ستؤثر سلبياً وبالتأكيد على سير المفاوضات.
من المؤكد أن هذه اللوحة من العوامل الداعمة للمفاوضات، والمفترضة، قد أصبحت معلومة لدى صناع القرار المحليين والدوليين، غير أن عوامل وديناميات وطبيعة الحلول الممكنة لإزالة أو التخفيف من تأثير عوامل الممانعة والاعتراض لا تزال غير معلومة سواء بالنسبة لما يصدر منها عن إسرائيل أو ما يصدر منها عن طبيعة الوضع الفلسطيني، المنقسم والمتصارع.
ويبدو أن العملية التفاوضية التي انطلقت من أنابوليس وتواصلت في باريس، لا تزال تحمل في طياتها عوامل فشلها، ما لم تتولد إرادات أكثر حزماً في مواجهة حملة العوامل الصعبة والمعقدة المعترضة الأمر الذي قد يحول مليارات باريس إلى مجرد ركام من كلمات.
كاتب فلسطيني