قبل أسبوع زارني الكاتب البرازيلي باولو كويلو في دبي خلال مشاركته في مهرجان دبي للأفلام، وطلب مني أن أذهب به إلى الصحراء ليعيش تجربة حقيقية.
وفي يوم الرحلة التي أعددت لها العدة، قال لي بأنه عليه الرجوع إلى الفندق بسرعة لحضور بعض الاجتماعات، فخاب أملي في قضاء وقت مميز مع هذا الرجل الذي لا أعلم كيف لم تلتفت إليه لجنة اختيار أدباء نوبل إلى الآن، فحديثه كله حكمة، وفلسفته البسيطة الموغلة في النفس البشرية، تنساب على لسانه كماء رقراق لا يعيق جريانه شيء.
بعد أن قضينا بعض الوقت نقاوم الرمال، طلب مني أن يجرب قيادة السيارة في الصحراء، فوافقت على شرط أن يكون حذراً عند صعود التلال الرملية لأنه قد يكون خلفها حفر خطيرة. وفعلاً انطلق بالسيارة يمنة ويسرة، حتى قال لي بأنه اكتفى، ثم تردد قليلاً وقال إنه سيستمر لخمس دقائق إضافية، وما أن أكمل جملته حتى انطلق يصعد تلاً ليس بصغير، فطلبت منه أن يحذر ما خلفه، ودون أن نعلم علقنا في حفرة بين تلّين وأصبحت السيارة وكأنها جسر بين جبلين.
حاول أن يزيح الرمال من تحت الإطارات فقلت له بأن ذلك لن ينفع، واتصلت بأحد أصدقائي ليأتي ويساعدنا في إخراج السيارة، إلا أنني لم أخفِ فرحتي حيث علمت بأنه سيلغي كل مواعيده وسنقضي وقتاً شيقاً في حديث فلسفي جميل. بدأت الشمس بالمغيب، فأشعلت النار ووضعت إبريق الشاي عليها وجلسنا نتحاور فقال:(في البداية كنت أحارب الصحراء.
وكلّما أزحت الرمال عن طريق السيارة تعود الريح بكمية أكبر منها لترميها في وجهي، حتى علقنا، فأيقنت بأن الصحراء أقوى مني وبأنني لن أغادرها حتى تأذن هي بذلك. نحن في وسط الصحراء إلا أننا في أمان، ليس لأننا نحمل أجهزة إلكترونية، بل لأن شخصا معنا من الصحراء.
لقد أسلمنا أنفسنا لله، ولكن الأهم من ذلك، هو أننا أسلمنا أنفسنا له بإيمان واعتقاد بأنه يرعانا، وبأننا لسنا لوحدنا. يحاول الكثيرون أن يكونوا وحيدين، ويتشدقون بأنهم مستقلون عن الآخرين إلا أننا جميعاً في حاجة إلى بعضنا البعض..
كلّنا في حاجة إلى مساعدة، أنا، باولو كويلو في حاجة إلى مساعدة، وفي حاجة مستمرة إلى الناس، ليس لأنني لا أستطيع تحمل الوحدة فقط، ولكن لأننا لم نخلق لنعيش بمفردنا. فحتى هذه التجربة الجميلة، تكمن قيمتها الحقيقية في أنني سأتقاسمها مع قرائي عبر الإنترنت).
كنا أربعة أشخاص، اثنان من البرازيل وواحد من لبنان وكنت أنا من الإمارات، إلا أن الوقت الذي قضيناه في جوف الصحراء أذاب جميع الحواجز (الوهمية) بيننا مثلما تذيب رمضاء الصحراء حبيبات الضباب التي تغطي أرضها أول الصباح. ففي الصحراء تساقطت جميع الأقنعة التي كانت تزيّف ضحكاتنا وتجهمّنا، وأصبحنا جميعاً نتحدث لغة واحدة. وعلى الرغم من أن كل منّا صلّى على طريقته الخاصة، إلا أننا جميعاً قلنا : ( يا ربّ) وكان كلما تحدث أحدنا عن ربّه يرفع إصبعه إلى السماء دون أن يشعر.
في الصحراء لا يوجد مكان للتصنيف أو الأدلجة، ومهما حاولنا أن نبني قلاعاً وأطراً فكرية فإن رمال الصحراء المتحركة بفعل الرياح لابد وأن تأتي على كل ما نقوم به وتجعله هباءً منثوراً، لأن الصحراء لا تبقي على شيء لا قيمة له، وليس في الصحراء مكان لهذه الترّهات.
ولا يقوى على العيش فيها إلا من كانت نفسه بسيطة، تحب كل من يعبر قفارها وفيافيها، وتسقيه من قربتها حتى وإن كان عدواً لها. يتحدث الناس اليوم عن حوار الثقافات أو حوار الحضارات كما يحب البعض تسميته.
ويركز معظم المهتمين بهذه القضية على أهمية فهم ثقافة الآخر والتعرف عليها، وفي رأيي فإنه يجب علينا أولاً أن نقبل الآخر ونحترمه بغض النظر عن ماهيّته قبل أن ندلف إلى ثقافته ونسبر أغوارها.
وقد يبدو الحديث سهلاً، إلا أن هذا الأمر لن يتحقق في يوم وليلة، فنحن في حاجة إلى تنويريين جدد، ينفضون عن عقولنا وقلوبنا غبار التراث (المنتقى) بعناية لأغراض شخصية لبعض الشخصيات التاريخية التي لن يسامحها التاريخ أبداً، ويصنعون جيلاً جديداً من أصحاب القيم الذين لا يصطدمون مع الآخر الذي قد تمثل مفاهيمه في أعرافهم منكراً ـ فلا تحمل وازرة وزر أخرى ـ ويرحبون به ويحترمونه بشرط أن يحترم قيمهم ولا يتعدى على حرمهم.
إن قبول الآخر لا يعني الإيمان بمعتقده، ولكنه لا ينفي حقّه في العيش والتعايش أيّاً كان ذلك المعتقد، فنحن نقبل بوجوده كإنسان قبل كل شيء، ومن دون تحقق هذا الشرط فلا جدوى من حوار أو ثقافة.
إن جزءاً مهماً من مشكلة رفضنا للآخر هو طبعنا البدوي الذي يخيّل لنا بأننا شعب الله المختار، مما يجعلنا نظن بأننا أفضل من كل شخص وفي كل شيء، ونترفع حتى عن الإنصات إلى الآخر أو النظر في عينيه كبادرة احترام له عندما يتحدث، وبالطبع فإنه لا يفوتنا أن نسفّه برأيه لا لشيء إلا لنقول له بأننا نفهم أكثر منه وإن كنا على عكس ذلك.
ولقد أنسانا ذلك قول الله تعالى:(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين)، والإقساط هنا هو العدل مع الناس، أما البر فهو الإحسان لهم، أي إعطاؤهم أكثر من حقهم، ولم يرد البرّ في حقّ أحد غير الوالدين إلا في حق هؤلاء حتى نعلم مكانة الحوار وضرورة التعايش مع الآخر.
في مجلة الرسالة التي كانت تصدر في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، كتب سيّد قطب مقالتين تحدث فيهما عن أدب القصة، فهاجم في واحدة أسلوب محمود تيمور وامتدح في الثانية بعض الكتّاب الجدد آنذاك من أمثال (الأستاذ نجيب محفوظ) على حد لفظه، حيث أثنى على روايته (كفاح طيبة).
وقال في نهاية مقالته: ( لو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذه القصة في يد كل فتى وكل فتاة، ولطبعتها ووزعتها على كل بيت بالمجان، ولأقمت لصاحبها ـ الذي لا أعرفه ـ حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر، للمستحقين وغير المستحقين).
كان ذلك قبل أن ينضم قطب إلى جماعة الإخوان المسلمين، عندما كانت الصحراء تجمع بينه وبين محفوظ وباقي الأدباء والمفكرّين، فهو على الرغم من أنه لم يكن يعرفه إلا أن ذلك لم يكن ذا أهمية في الحكم على أعماله. الصحراء مكان جميل للعيش، ومهما كانت تلك الأيديولوجيات ضاربة في الأرض فإن الصحراء قادرة على التعاطي معها بأدبياتها البسيطة التي تحنو على زوّارها مثلما تحنو رياحها على رمالها المتنوعة.
قبل أن نرحل من الصحراء طلب مني كويلو أن أقرأ له آية من القرآن قرأها له صاحبه المسلم الذي رافقه في صحراء مصر لرؤية الأهرامات قبل عشرين عاما، وهي أواخر سورة البقرة، وبعد أن قرأتها أطرق برأسه وتعجّب من جمال ما قرأت على الرغم من أنه لم يفهمه..
فالصحراء كانت كفيلة بترجمته إليه. فلماذا يأتي رجال من الجبال وآخرون من الغابات وغيرهم من البحار ليغسلوا نفوسهم برياح الصحراء ويشنّفوا مسامعهم بحديثها، وننأى نحن أهل الصحراء عن الإنصات لها جيداً.. علّنا نجد مخرجاً لبعض ما نحن فيه؟
باحث إماراتي