فازت حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني نتيجة انتخابات حرة وديمقراطية لا غبار عليها، ولم يشكك بصحتها أحد لا داخل فلسطين ولا خارجها، وحتى الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية وهما الأشد عداء لحماس لم تجدا ثغرة واحدة في هذه الانتخابات.

ولم تبديا ملاحظة واحدة تنال من صحة نتائجها وديمقراطيتها، لكنهما رغم دعواتهما للديمقراطية وسياساتهما التي كانت تتغنى بها انقلبتا عليها فور إعلان النتائج ورفضتا الاعتراف بحق حماس تولي جوانب من السلطة الفلسطينية أو المشاركة فيها بما يتناسب مع نتائج الانتخابات ومع القانون الأساسي لهذه السلطة الذي أقر بعد اتفاقية أوسلو.

وأكدت السياسة الإسرائيلية والأميركية والأوروبية بذلك أن دعواتها للديمقراطية ما هي إلا شعارات كاذبة يراد منها النيل من نظم سياسية معادية لها، وأنها في الحالات كلها تقيس بمقياسين في نظرتها للديمقراطية حسبما يلائم مصالحها ويوافق سياساتها.

لم تتوقع حركة حماس الفوز الكاسح بمثل هذه النسبة كما لم يتوقع ذلك أحد غيرها، وحسب معظم المحللين السياسيين فإن الناخب الفلسطيني انتخبها ليس لاطلاعه على برنامجها وأهدافها واقتناعه بها، وإنما رفضاً لممارسات حركة فتح وسلطتها التي كانت سائدة منذ بدء تطبيق اتفاق أوسلو حتى يوم الانتخاب.

حيث عمّ الفساد والتسلط والفوضى الأمنية والإدارية والمحاباة ونهب المال العام والعسف والاستبداد بالناس وعدم احترام أرزاقهم وحياتهم والفشل في تحسين حياتهم وشروط عيشهم والاستئثار بالمغانم وتقاسمها.

وعلى ذلك فقد كان انتخابهم لحماس ـ حسب هؤلاء المحللين ـ بهدف الخلاص من سلطة فتح وممارسات محازبيها، ويبدو أن هذا التحليل لا يخلو من الصحة باعتراف قياديين من حماس ومراقبين حياديين آخرين، وإن صح هذا الاستنتاج فلا يحق لحماس الزعم أن الناخبين اختاروها بسبب قبولهم برنامجها فقط، الذي يتضمن في الواقع مجموعة شعارات عامة قومية ووطنية تسميها حركة حماس (الثوابت).

دون أن تدخل في أعماق الحلول الممكنة مع العدو الإسرائيلي وتفصيلاتها أو في كيفية التعامل مع المجتمع الذي تريد بناءه، والدولة التي ترغب في تأسيسها (هل هي دولة إسلامية وما معنى دولة إسلامية، أم أنها دولة ذات مرجعية إسلامية فقط، وهل تتبنى هذه الدولة الديمقراطية كأسلوب خيار لممثلي الشعب.

وما هو موقفها من الآخر والأهم ما هي حدود الاتفاقيات التي يمكن أن تتوصل إليها مع إسرائيل إذا دخلت معها في مفاوضات..) وعشرات الأسئلة الأخرى التي لم تجب عليها لا برامج حماس ولا ممارساتها في الأشهر القليلة التي شاركت فيها بالحكم، ويبدو انه ليس بعيدا عن الصحة أن الثقافة السياسية لدى قادة حماس كانت متواضعة.

وأن الحماس الأيديولوجي (الديني) كان سائداً دون تبصر كافٍ على نطاق ممارسة حماس واقعياً لسلطتها، شكلت ميليشيا موازية لميليشيا فتح التي أصبحت عصب قوات السلطة وسمتها وأتبعتها لوزير الداخلية وهو من حماس وبلغ عددها حوالي عشرة آلاف مسلح على التوازي مع قوات السلطة.

ولم تختلف ممارسة هذه عن ممارسات تلك (الاعتقال التعسفي، المصادرة، إغلاق المحلات التجارية، إلزام النساء لبس الحجاب وتهديد من لم تمتثل، إغلاق بعض المقاهي والمطاعم، التضييق على المسيحيين..) وغيرها من الممارسات التي لم ترد في برامج حماس ولم يكن الناس يتوقعون أن تتبناها وهي لا تختلف في النهاية عن ممارسة ميليشيا فتح سوى بالكم وبعض النوع وتفادي الغنى غير المشروع.

وأخذ الناس يلمسون لمس اليد وطأة هذه الممارسات في الوقت الذي أخذت إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا تحاصر المناطق الفلسطينية وتلجأ لتجويع الشعب الفلسطيني والتضييق عليه في مختلف جوانب حياته بما في ذلك عدم السماح بنجدته في المجالات الصحية ومعاقبته تحت شعار معاقبة حماس وإلزامها بتغيير سياساتها وإيقاف كل أصناف المقاومة غير السلمية.

كانت حركة حماس عند تأسيسها تنادي بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر مستندة على الموقف الأيديولوجي الذي تعتبره إسلامياً، وعندما شاركت في الحكم لمست تعقيدات الواقع فتراجعت وقبلت بحدود مؤقتة مع هدنة لعشرات السنين مع التأكيد على أن القدس وترحيل المستوطنات.

وعودة اللاجئين وغيرها هي ثوابت لا يجوز التراجع عنها، ومازالت تكرر هذه الثوابت دون الأخذ بالاعتبار الظروف الداخلية والإقليمية والدولية، وبالتالي أصبحت كأنها في وادٍ وواقع الحال في وادٍ آخر، ورغم أن الجميع يوافقها على هذه الثوابت لأنها حقوق لا يجوز التفريط فيها.

إلا أن تعقيدات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي تقتضي البحث عن طرق جديدة تعيد الحقوق وتأخذ الواقع بعين الاعتبار، فالدولة غير الثورة أهدافاً ووسائل، وينبغي العودة في مثل الحال الفلسطيني إلى أساسيات السياسة وتقاليدها وكلاسيكياتها وبالتالي فليس كفراً ولا خيانة أخذ موضوعة فن الممكن بعين الاعتبار.

والبحث عن أساليب متجددة ومتطورة للحفاظ على الحقوق، ومحاولة إيجاد شروط ذاتية وموضوعية جدية قادرة على تغيير ميزان القوى وجعل المفاوضات المحتملة أكثر جدوى وفعالية، وعلى رأس هذا كله العمل الدؤوب والمخلص لإقامة وحدة وطنية فلسطينية متراصة قوية تلتف حولها التيارات السياسية كافة (والفصائل كافة).

والبعد عن الإقصاء والذاتية والنرجسية والاستئثار، والتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية والعمل على إصلاحها لا رفضها أو تجاهلها مهما كانت ضعيفة وقيادتها بائسة لأنها المؤسسة الفلسطينية الأساس التي اعترفت بها إسرائيل بعد اتفاقية أوسلو، وعدم الرفض المطلق لاتفاقيات أوسلو بل اعتبارها خطوة تساعد على استعادة الحقوق.

خاصة وأن السلطة الفلسطينية والنظام الأساسي والانتخابات التشريعية التي فازت فيها حماس هي في الواقع نتيجة تطبيق اتفاقية أوسلو التي ترفض حماس الاعتراف بها وهي بالتالي تقيس أيضاً بمقياسين، إذ ترفض أوسلو وتقبل تطبيقاتها.

أما خطيئة حماس الكبرى فهي الاستيلاء الدموي على السلطة في القطاع إذ أكدت بذلك الشكوك التي تتهمها بأنها بعيدة عن قبول الوحدة الوطنية وتؤمن بسياسة الإقصاء ولا تأخذ آراء المنظمات الفلسطينية الأخرى وقواها بعين الاعتبار، ولعل غلطة الشاطر بألف غلطة، هذا فضلاً عن دخولها في محاور إقليمية لها إشكالياتها، ويلفها حذر عربي صريح من دول عربية نافذة لا يمكن لحماس أن تحقق شيئاً دون دعم هذه الدول.

وبالتالي حولت نفسها من حركة تعتمد على تيار شعبي جارف إلى حركة تلعب لعبة المحاور الإقليمية التي لا تساعد على تأسيس وحدة وطنية ولا على استقلالية القرار، وكأن قادتها ما زالوا يحتاجون لمزيد من التجارب السياسية والثقافة السياسية في عصر يقتضي أن تكون القيادات السياسية فيه مستكملة تجاربها وأكثر واقعية وبراغماتية من الأيديولوجيا والأيديولوجيين.

بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسها حشدت حماس في شوارع غزة مئات الألوف لتدلل على أن شعبيتها لم تتراجع، وهذا حسن وبشرى خيرّة ومجال اعتزاز لاشك فيه، لكنه لا يغني عن ثلاثة أمور هي: ضرورة إقامة الوحدة الوطنية واعتبار تجاهلها ضرباً من العبث، والمواءمة بين الأيديولوجيا والسياسة وبين الرؤيةالمستقبلية والواقع والإمكانيات، والابتعاد عن لعبة المحاور شديدة الخطر.

كاتب سوري