افتتح في الثالث من الشهر الجاري في شبه جزيرة نوسا دوا الواقعة جنوب جزيرة بالي في أندونيسيا مؤتمراً دولياً حول التغيرات المناخية وخطر الاحتباس الحراري برعاية الأمم المتحدة و بمشاركة مندوبين عن 180 دولة وحضور مجموعة كبيرة من المراقبين و ممثلين عن المنظمات غير الحكومية التي تعنى بقضايا البيئة زاد عددهم على 10000 شخص.
وقد أختتم هذا المؤتمر أعماله في الرابع عشر من الشهر وانتهى إلى التوصل لاتفاق حول إطار لعملية تفاوض تستغرق عامين تهدف إلى صياغة اتفاقية جديدة للحد من الإنبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري أو ما يعرف بالغازات الدفيئة بدلاً من مثيلتها في بروتوكول كيوتو الذي ينتهي العمل به في عام 2012.
وقد كان لاختيار مكان عقد هذا المؤتمر دلالته الخاصة، فجزيرة بالي هي إحدى المناطق المهددة بالزوال بسبب التغيرات المناخية.
والمعروف إن بروتوكول كيوتو هو اتفاقية دولية ملزمة للموقعين عليها بالعمل على التقليل من انبعاث الغازات الدفيئة، وقد أصبحت نافذة المفعول عام 2005 علماً بأنها قد صيغت عام 1997 في المؤتمر الذي رعته الأمم المتحدة في كيوتو في اليابان.
حيث وقع مندوبون عن 174 دولة اتفاقية بتخفيض انبعاث الغازات الدفيئة في الدول المتقدمة في الفترة الواقعة بين عامي 2008 - 2012 بمقدار 5 % عن المستوى الذي فيه هذه الغازات عام 1990.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا البروتوكول هو الاتفاقية الدولية الوحيدة للحد من إنبعاثات هذه الغازات.
إلا أن الولايات المتحدة وهي أكبر مستهلك للطاقة في العالم وأكبر مصدر للغازات الدفيئة رفضت التصديق على بروتوكول كيوتو عام 2001 بحجة أن ذلك يرهق الميزانية الأميركية دون غيرها وطلبت أن لا تقتصر نصوص الاتفاقية على إلزام الدول الصناعية المتقدمة فقط بمسؤولية تخفيض انبعاث الغازات الدفيئة.
كما رفض رئيس الوزراء الأسترالي السابق جون هاوارد التصديق عليها أيضاً بحجة إن ذلك يلحق ضرراً باقتصاد استراليا المستند إلى الطاقة ويقلل من فرص العمل. وقد سبق للولايات المتحدة أن اتخذت موقفاً ممائلاً في تسعينات القرن المنصرم حين رفض الرئيس بوش الأب المصادقة على اتفاقية ريو.
مؤتمر بالي يعتبر نقلة تاريخية، فللمرة الأولى وجدت مختلف دول العالم نفسها راغبة في الحوار بشكل جدي حول قضية خطيرة تمس أمن الجميع ألا وهي التغيرات المناخية وما ينجم عنها من اختلال في التوازنات البيئية.
وكان العامل المحرك في المؤتمر هو البحث عن خارطة طريق، تجد كل دولة مكاناً لها فيها، للحد من انبعاث الغازات الدفيئة. كما أنفض المؤتمر بعد التوصل إلى تفاهمات لأول مرة حول الحفاظ على المساحات الخضراء وحول التأقلم والتكنولوجيا الصديقة للبيئة.
دعت المنظمة الدولية إلى عقد هذا المؤتمر في ضوء صدور التقرير العلمي السنوي الذي أعدته هيئتها الحكومية حول التغير المناخي والذي ورد فيه «أصبح التغير المناخي حقيقة لا يرقى إليها الشك، وهو ما يشكل خطراً جدياً في المستقبل على نمو الاقتصاد العالمي وعلى المنظومة البيئية».
وأشار التقرير إلى أنه ما لم يصار إلى إتخاذ إجراءات ضرورية منذ الآن فإن حرارة الأرض قد ترتفع بمقدار يزيد على أربع درجات سيليزية مسببة كوارث ليس بالإمكان حصر نتائجها. وإن بوادر ذلك قد لوحظت فعلاً في أماكن مختلفة من العالم، فالكتل الجليدية في تراجع ومصادر المياه الصالحة للاستهلاك في المناطق الساحلية معرضة للخطر بسبب ارتفاع سطح البحر.
وأفاد التقرير بأن المناطق الساحلية ستعاني من الفيضانات وستتعرض إلى أحداث مناخية حادة، أما المناطق الجافة مثل أفريقيا، فالتغير في النمط المناخي يهدد بتفاقم التصحر والجفاف ونقص الغذاء.
ومما بجدر ذكره أن تقرير الهيئة الحكومية للأمم المتحدة قد أشار إلى أن التغيرات المناخية المتوقعة ستُحدث تأثيرات أقوى وأقسى على الدول الفقيرة في العالم، وإن تلافي ذلك يكمن في قيام الدول الصناعية المتقدمة بتوظيف بعض قدراتها الصناعية والاقتصادية والتكنولوجية لمساعدة هذه الدول.
ففي كلمته أمام المؤتمر أكد الأمين العام للأمم المتحدة «أننا لا نستطيع الاستمرار على هذا النمط لمدة أطول، نحن لايسعنا الاستمرار بالعمل كما نحن الآن، فقد آن الأوان لاتخاذ قرار حاسم على المستوى العالمي».
وبكلمات قوية و واضحة وضع أمام الحاضرين مهامهم «بالي ينبغي أن تكون الترجمة السياسية للتقرير العلمي الذي أصدرته الهيئة الحكومية للأمم المتحدة، جميع الدول ينبغي أن تعمل ما تستطيعه للتوصل إلى اتفاقية بحلول عام 2009، ووضعها موضع التنفيذ في موعد نفاذ معاهدة كيوتو عام 2012».
لم يكن متوقعاً أن ينجز المؤتمر اتفاقية عالمية جديدة حول التغير المناخي تحظى بموافقة جميع الدول فذلك لم يكن من أهدافه، إلا أنه نجح في وضع العجلات الأساسية للتحرك في هذا المجال خلال السنتين المقبلتين.
وسينحو هذا التحرك نحو وضع أسس وآليات للاتفاق بين الفرقاء على بضعة قضايا أساسية منها: المحافظة على المساحات الخضراء وقيام الدول الصناعية الغنية بدفع ما يلزم للإبقاء عليها في الدول الفقيرة، وتمويل البرامج البيئية والتكيف مع ثقافة بيئية جديدة واستخدام تقنيات لا تلحق ضرراً بالبيئة.
حصل إجماع على الصيغة النهائية للتوصيات التي خرج بها المؤتمر، في الدقائق الأخيرة، وذلك لأن الدولتين اللتان رفضتا إقرار بروتوكول كيوتو قد غيرتا موقفيهما. ففي وقت سابق أعلن رئيس الوزراء الأسترالي الجديد، كيفين راد، الذي هزم سلفه جون هاوارد متبنياً برنامجاً بيئياً، عن موافقة استراليا على البروتوكول المذكور.
كما غيرت الولايات المتحدة موقفها بمقدار 180 درجة، فقد وجدت الإدارة الأميركية في هذا المؤتمر فرصة أخيرة لتحسين موقف الحزب الجمهوري أمام الناخبين سيما وهي ترى بأن الحزب المناوئ تتزايد شعبيته بسبب مواقفه البيئية.
الدول الأوروبية هي أكثر من رحبت بتوصيات المؤتمر، فالمعروف إن دول الإتحاد الأوربي، وخاصة ألمانيا، أكثر إيجابية في مواقفها من قضية الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية وذلك لأن الحركات التي تجعل من البيئة محوراً لسياستها هي أكثر قوة في أوروبا منها في الولايات المتحدة.
فليس غريباً أن تمتدح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نتائج المؤتمر رغم أن وزير شؤون البيئة الألماني قد ذكر بأن النتائج التي خرجت من المفاوضات الشاقة كانت أقل مما كانت تأمله ألمانيا والإتحاد الأوروبي.
وليس غريباً كذلك أن يصدر البيت الأبيض بياناً يضع فيه بعض التحفظات على ما خرج به المؤتمر، فقد ورد في هذا البيان «الولايات المتحدة لديها مخاوف خطيرة إزاء مطالبة الدول الصناعية فقط بخفض إنبعاثات الغازات الدفيئة»، وطالب البيان أن تسهم الصين والهند من جانبها في ذلك.
وأوضح منتقداً تقرير الهيئة الحكومية للأمم المتحدة «أنه يتعين التفريق بين الدول طبقاً لمستويات إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون ومستوى تنميتها الاقتصادية، إن ظروف أفقر دول العالم واحتياجاتها الخاصة يتعين أن توضع في الاعتبار في الاتفاقيات الدولية».
هنالك قدر من التفاؤل يسود الأوساط المعنية بشؤون البيئة خاصة وأن الموقف الأميركي مرشح للمزيد من التحسن، فالولايات المتحدة سيكون لها رئيس جديد بعد عام ويبدو أن جميع المرشحين للرئاسة لديهم اهتمامات بالبيئة أكثر مما لدى الرئيس الحالي.
كاتب عراقي