السؤال المطروح على الساحة الآن هو،هل ستكتفي روسيا في ردها على الدرع الصاروخي الأميركي المضاد للصواريخ بتعليق مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا والتلويح بالتهديد بالانسحاب من المعاهدات العسكرية الأخرى؟
أم أن موسكو لديها تخطيط آخر لم تعلن عنه بعد؟للإجابة على هذا السؤال يجب توضيح حقيقة هامة مفادها أن روسيا تعي جيدا عدم فاعلية الدرع الصاروخي الأميركي،والخبراء العسكريون الروس يعرفون جيدا أن هذا الدرع لا يشكل أية خطورة أو تهديدات على روسيا.
ويعرفون أيضا أن هذا الدرع لا يستطيع التصدي للصواريخ الروسية سواء منها البعيدة أو المتوسطة المدى،وهذا لم يعد سرا بعد أن اعترف به الخبراء العسكريون الأميركيون أنفسهم، وبعد أن نشرت الصحف الأميركية منذ أيام تقرير نائب وزير الدفاع ألأميركي السابق الجنرال روبرت غارد الذي قال فيه إن جميع التجارب التي أجريت على منظومة الدفاع الصاروخي الأميركي المضادة للصواريخ كانت فاشلة ولم تنجح منها ولا تجربة واحدة،وهذا يكذب الإدارة الأميركية التي سبق أن أعلنت عن نجاح تجربة من ثلاث.
وكشف الخبراء العسكريون الأميركيون عن حقيقة أن الهدف من وراء نشر هذه المنظومة هو استنزاف الخزينة الأميركية لصالح مؤسسات التصنيع الحربي الخاصة،وأيضا استنزاف أموال الدول التي تنوي الإدارة الأميركية نشر هذه المنظومة بحجة حمايتها من التهديدات الإيرانية،وهي حجة واهية و كاذبة سقطت مصداقيتها بعد تقرير الاستخبارات الأميركية الأخير الذي برأ إيران وبرنامجها النووي من النوايا الحربية.
وهذا ما دفع المسؤولين السياسيين في تشيكيا إلى إعادة التفكير في مسألة نشر المنظومة على أراضيها، حيث صرح نائب رئيس مجلس النواب التشيكي لوبومير زاؤرليك للصحفيين بأن هذا التقرير أثبت أن السياسة الأميركية تفتقد للمصداقية وأنه لم يعد هناك مبررا لنشر هذه المنظومة على الأراضي التشيكية طالما لا توجد تهديدات من جانب إيران.
إذا كانت حجج الإدارة الأميركية واهية وتفتقد للمصداقية، وإذا كان النظام الدفاعي الصاروخي الأميركي فاشلا وغير فعال بشهادة الخبراء العسكريين الأميركيين، فلماذا تقلق روسيا وتنسحب من المعاهدات الدولية العسكرية بينها وبين أوروبا وحلف الناتو، ولماذا تصعد موسكو قضية الدفاع الصاروخي الأميركي لهذه الدرجة من الحدة؟
الواقع أن روسيا في الوقت الحاضر وفي ظل طموحاتها لاستعادة قوتها ومكانتها على الساحة الدولية ترى أن هذه المعاهدات باتت تشكل قيدا على طموحاتها، خاصة وأن الأطراف الأخرى في هذه المعاهدات، وخاصة حلف الناتو لم تصادق على هذه المعاهدات ولم تلتزم بها،فلماذا تلتزم بها روسيا؟
حيث يسعى حلف الناتو إلى التوسع شرقا ونشر قواته على الحدود الروسية،وضم الدول المجاورة لروسيا لصفوفه مثل جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا،بعد أن ضم جمهوريات البلطيق والعديد من دول حلف وارسو السابق وذهب ينشر قواعده العسكرية وقواته على أراضيها،فماذا تنتظر روسيا من وراء التزامها بهذه المعاهدات؟
روسيا ترى أن استمرار التزامها بهذه المعاهدات يظهرها في مظهر ضعيف لا يليق بمكانتها الحالية على الساحة الدولية، وأن هذا ربما يزيد من طموحات ونوايا البعض الذين لا يريدون لروسيا أن تعود دولة قوية، وأيضا فإن روسيا الآن تشهد نهضة وتطورا ملحوظين في التصنيع العسكري،وتطور ترسانتها العسكرية بشكل مطرد، ولكي تكتسب العسكرية الروسية المصداقية والمكانة الدولية عليها أن تتحرر من القيود التي تفرضها عليها هذه المعاهدات.
و قد أعلنت وزارة الدفاع الروسية مؤخرا بأنه أصبح من الممكن أن تنصب روسيا صواريخ حربية من نوع «اسكندر» في أراضي بيلا روسيا ردا على نصب رادار وصواريخ اعتراضية أميركية في الأراضي التشيكية والبولندية،والغرب وواشنطن يعرفون جيدا صواريخ «اسكندر» وهي عبارة عن صاروخ مجنح (كروز) يقدر على المناورة لمسافات طويلة حتى أن إيقافه أو التصدي له يعتبر أمرا شبه مستحيل،وقد حققت تجربة صاروخ «اسكندر» النجاح في 25 مايو الماضي حيث أصاب الصاروخ الهدف المطلوب بتدميره على مسافة 500 كيلومتر بمنتهى الدقة.
واعترفت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس أثناء لقائها بنظيرها الروسي لافروف آنذاك بقوة وفاعلية هذا الصاروخ،وتمنت رايس ألا يستخدم هذا الصاروخ، ورد عليها لافروف قائلا «نتمنى ألا يضطرنا أحد لاستخدامه»، ويرى الخبراء أنه يمكن تطوير هذا الصاروخ ليبلغ مداه 1000 كيلومتر دون إجراء تغييرات على القاذف، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية بأنه سيتم تجهيز خمسة ألوية في القوات الروسية بصواريخ «اسكندر» خلال الأعوام القليلة القادمة.
إنهم في الغرب يتذكرون أن القيادة الروسية كانت تنتهج السياسة الاستسلامية في تسعينات القرن الماضي، لهذا فإنهم الآن مصابون بقلق وفزع شديدين من عودة النغمة العسكرية بوضوح للغة الروسية الدولية، ويتظاهر الأوروبيون الغربيون بأن قضية الصواريخ الأميركية لا تخصهم،وإن كانوا يعبرون عن قلقهم من تغير اللغة الدبلوماسية الروسية وميلها للغة استعراض القوة.
روسيا الآن لا تسعى للعسكرة ولا لإعادة مناخ الحرب الباردة القديم، ولا تسعى لخلق خلافات مع جيرانها،بل على العكس تريد أن توضح للجميع أنها دولة سلمية تسعى للتعاون مع الجميع في كافة المجالات وخاصة المجال الأمني، وهذا ما عبر عنه الرئيس بوتين بقوله إننا مستعدون للعودة للمشاركة في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا ولكن على أن يلتزم الجميع بها.
وخاصة حلف الناتو، ولكن المشكلة هنا أن دول أوروبا و حلف الناتو ليست صاحبة قرارها في الشأن العسكري، ولا نبالغ إذا قلنا إنه حتى الولايات المتحدة نفسها كدولة لا تملك قرارها العسكري،بل تملكه مؤسسات التصنيع الحربي الخاصة التي تتحكم في قرارات البيت الأبيض من وراء الستار،وهذا ما أصبح واضحا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
حيث لم تفلح قرارات الكونجرس ومجلس النواب وأيضا اعتراضات الشعب الأميركي في وقف الحرب المأساوية في العراق، ولولا الضغوط الدولية وخاصة من جانب روسيا لما تراجعت الإدارة الأميركية عن نيتها في توجيه ضربة لإيران، إنهم لا يريدون سوى الحرب أو التهديد بها، لأن هذا يروج لسلعتهم الأساسية السلاح.
أما روسيا فلا تريد الحرب ولا تلوح بها لكنها فقط تطلب من الآخرين أن يحترموها ويتعاملوا معها كدولة كبيرة لها مصالح واسعة ومن حقها أن تسعى لتحقيقها وحمايتها بالطرق التي تراها مناسبة،وترجو من الآخرين ألا يضطروها لاستخدام لغة التهديد والوعيد مثل الآخرين.
كاتب ومحلل سياسي روسي