كنا نشكو دائما وعلى مدى قرابة نصف قرن من خلو مجتمعاتنا العربية من مؤسسات المجتمع المدني المستقلة والمحايدة، وكانت الأنظمة الحاكمة تصبرنا بمؤسسات شبيهة مثل نقابات واتحادات وجمعيات لم يكن لها هم ولا شاغل سوى الترويج لسياسة النظام الحاكم وإنجازاته.

وإذا ما فكرت مرة أن تشذ عن القاعدة وتنتقد النظام يكون مصيرها الإغلاق وسجن قادتها وتعيين بدائل لهم من قبل النظام يفرضوا كأوصياء وتلغى الانتخابات والاجتماعات والفعاليات لتتحول هذه المؤسسات إلى مجرد مكاتب خدمات لتوفير السكن والمعاشات والرحلات والحفلات وغيرها.

ولا نريد أن نذكر أمثلة لما سبق لأنها كثيرة جدا مثلما كان يحدث في مصر مع نقابات المحامين والأطباء والصحافيين ونادي القضاة وغيرها الكثير، ولكن الوضع الآن تغير بسرعة و بشكل كبير لم يكن متوقعا من قبل.

خاصة مع بداية الألفية الثالثة، وبتحديد أكثر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في نيويورك، ذلك عندما انطلقت الحملة الأميركية ضد ما أسموه بالإرهاب وسحبت في ذيلها حملة الإصلاح والتغيير ونشر الديمقراطية، هذه الحملة التي ينطبق عليها القول «حق يراد به باطل»، وفوجئنا بسيل منهمر من مؤسسات المجتمع المدني تنتشر في مجتمعاتنا العربية، حيث ظهرت المئات من الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني والتي تحولت إلى ما يشبه «الدكاكين».

حيث أنها في معظمها مغلقة من الداخل ومفتوحة من جهة واحدة على الخارج، لا أحد يعلم من أين أتت ومن هم الذين يديرونها وما هي هويتهم السياسية وتوجهاتهم، وما هي مصادر تمويلهم، وما هو النشاط الذي يمارسونه ؟

لا أحد يعرف أي شيء سوى اسم الجمعية أو المؤسسة واسم الشخص الذي يرأسها أو يمثلها أمام الناس، وكلها ترفع شعارات حقوق الإنسان والإصلاح والديمقراطية، و كلهم نشطاء في الدفاع عن حقوق الإنسان، لكن نشاطهم هذا لا نراه إلا على شاشات الفضائيات.

نعم لقد تمنينا كثيرا ولسنوات طويلة أن يكون لدينا مؤسسات مجتمع مدني مستقلة وفعالة، لكننا تمنينا أن تنبع هذه المؤسسات من داخل مجتمعاتنا وتتبنى القضايا الحقيقية لشعوبنا، وأن تكون قبل كل شيء جمعيات وطنية لا تخدم إلا مصلحة الوطن والمواطن، لكننا فوجئنا بهذه «الدكاكين» التي انتشرت عندنا مثل جحور الجرذان تعمل في الخفاء وبعيدا عن مصالح الشعب والوطن.

ووجدنا عملها الوحيد هو كتابة تقارير كاذبة ومشوهة ترفعها لجهات في الخارج تستغلها أسوأ استغلال للتشهير بمجتمعاتنا وإظهارها كمجتمعات متخلفة ومغلوبة على أمرها وتحتاج للوصاية والإصلاح القادم فقط من الخارج، ولم نر أي مشروع أو برنامج وطني يخدم القضايا الحقيقية لمجتمعاتنا، الأمر الذي جعل الشبهات تحوم بشدة حول انتماء هذه «الدكاكين» التي حملت أسماء جمعيات أو مراكز دراسات أو غيرها من الأسماء و حول مصادر تمويلها.

أذكر هنا عندما ألقي القبض على أحد أصحاب هذه (الدكاكين) وقدم للمحاكمة بتهمة التجسس والعمل لحساب جهات أجنبية وتم تبرئته بتدخل شديد وضغوط من جهات أجنبية، أن اتصل به السفير الأميركي لحظة صدور الحكم تليفونيا يهنئه على البراءة وصورته عدسات التليفزيون وهو يتلقى المكالمة.

وأذكر أيضا صديقا قديما لنا كان مناضلا ماركسيا فقيرا حتى نهاية القرن الماضي لا يملك حتى غرفة فوق السطوح، وفجأة وجدناه يفتتح مركزا للدراسات في موقع متميز ويطلب موظفين للعمل عنده وأصبح من كبار دعاة حقوق الإنسان النشطاء على شاشات الفضائيات، والأمثلة هنا كثيرة لا يتسع المجال لسرد بعضها، لكن السؤال الهام هنا هو: من يقف وراء هذه «الدكاكين» ويمولها؟ ولمصلحة من تعمل؟ و ما علاقتها بالنفع العام؟

والغريب في الأمر أن المنظمات العربية المعروفة في مجال حقوق الإنسان منذ منتصف الثمانينات قد انزوت وانطفأت عنها الأضواء ولا تعيرها الفضائيات أي اهتمام.

في روسيا تم ضبط العديد من هذه «الدكاكين» التي ترفع شعارات حقوق الإنسان وتتلقى الدعم والتمويل من الخارج وترفع التقارير الكاذبة لجهات أجنبية تستخدمها للتشهير بالمجتمع الروسي، ولكن النظام الحاكم هناك تعامل معها بشدة وصرامة، وحذر الرئيس بوتين نفسه بأشد العقاب لأي شخص أو جهة تتلقى أموالا من الخارج بشكل غير رسمي وقانوني.

نحن في مجتمعاتنا العربية بحاجة للتعامل مع هذه «الدكاكين» بشدة وصرامة قبل أن تتفشى وتنتشر وتضر أمن أوطاننا بالغ الضرر وتشوه سمعة العمل المدني والنفع العام.

elmoghazy@hotmail.com